Untitled Document
منهج شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله

(من كتاب : على ساحل بن تيمية

للدكتور عائض بن عبدالله القرني)


 
المقدمة
 
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
 
من الذي عنده شغف بالمعرفة ، وميل على العلم ، وحب في الاطلاع ، وهو لا يعرف ابن تيمية ؟
من الذي لديه همة في المجد ، وعزيمة في الخير ، ورغبة في الصلاح ، ثم لا يعرف ابن تيمية ؟
هل الشمس بحاجة إذا توسطت السماء في يوم صحو أن ينبه على مكانتها ؟ هل القمر في ليلة اكتماله والسماء صافية بحاجة لمن يشيد بعلوه وسنائه ؟
إن ابن تيمية بلغ من الحظوة والرفعة وسمو المنزلة إلى درجة أنه استغنى عن لقب الشيخ ، والعالم ، والإمام ، والمجدد ، وصار أحسن اسمائه أنه : ابن تيمية !
عاشت بعض الدول خمسة قرون ، ثم اندرست وذهبت فلا اثر ولا عين ، ولكن هذا الجهبذ الأعجوبة بقى في ذاكرة الزمان ، وقلب الدهر ، قصة فريدة محفوظة للأجيال ترددها الألسن ، وتترنم بها الشفاء . عاش سلاطين ووزراء ، وأغنياء ، وشعراء ، ثم ماتوا فماتت معهم آثارهم ، وعاش ابن تيمية بلا إمارة ولا وزارة ولا تجارة ، لكن بقى معنا ومع الأجيال من بعدنا حياَ في الضمائر ، ماثلاً في النفوس ، حاضراً في الدروس والمنتديات العلمية ، ومجامع المعرفة ، وصرح الثقافة .
كلما سلكنا سبل العلم ، وضربنا في فجاج الفنون ، تلقانا ابن تيمية ، فهو إمام في التفسير ، حجة في الحديث ، منظر في المعتقد ، مجدد في الملة ، مجتهد في الفقه ، موسوعة في العلوم ، بحر في السير والأخبار ، آية في الذكاء ، أستاذ في العبقرية وسامحني – أيها القارىء الكريم – إن قلت إنه أصبح اشهر من الدولة التي عاش في عهدها !. ولا نشكوا تقصيراً في حبه – رحمه الله - ، لكنا نستغفر الله إن غلونا في التعلق به ، كيف ننسى أياديه البيضاء وكلما قلبنا سفراً
 
فإذا هو بين صفحاته بعلمه وحكمته وفقهه واستنباطه ، وكلما حضرنا حواراً فإذا اسمه تتقاذفه الألسن ، يتقاسمه المتحاورون ، كل فريق يقول : أنا أولى به؟!.. كيف لا نعيش معه وقد فرض علينا احترامه ، وأمتعنا بحضوره ، وآنسنا بذكره الطيب ؟ كيف لا نحب من احب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ كيف لا نتولى من تولى ربه ؟ ، كيف لا نقدر من قدر الشرع ؟ كيف لا نجل من أجل الوحي ؟ .
نعم عندنا – الحمد لله – من الإدراك ما يمنعنا من التقليد الأعمى والتعاطف الأرعن ، والإعجاب الأحمق ، عندنا تمييز بين الذكي والبليد ، والصادق والكاذب ، والقوي  والضعيف ، والصالح والطالح ، فهدانا الله بفضله وكرمه إلى معرفة فضل هذا الإمام وصلاحه وذكائه ونبوغه ونصرته للحق ودفاعه عن الشريعة ، ووافقنا على ذلك بشر كثير من العلماء والمؤرخين وأصحاب السيرة وأرباب الفنون وأصحاب التخصصات والمثقفين من المسلمين والكافرين .
دوائر المعارف تترجم عن دول بصفحتين وثلاث ، ولكنها تتحدث عن ابن تيمية بعشرين صفحة ! ، المجامع العلمية تذكر المصطلحات في سطر ، ولكنها تتكلم عن ابن تيمية في ثلاثين سطرا ، ولسنا متفضلين على ابن تيمية إذا مدحناه أو ذكرنا مناقبه أو عددنا سجاياه ، لكنه متفضل علينا – بعد الله – بفيض علمه ، وغيث فهمه ، وبركة إنتاجه ، ونور آثاره .
ولن أفضل الكلام عن هذا الإمام فهو بحر لجي لكنه عذب ، وهو محيط هادر لكنه فرات ، وهل يستطيع المرء – ولو أجاد السباحة – أن يغوص في أعماق البحر ، أو أن يهبط إلى قعر المحيط ؟ كلا لا يستطيع ، ولكنه يستطيع – فقط – أن يطل إطلالة ( على ساحل ابن تيمية ) .
غفر الله لابن تيمية رحم الله ابن تيمية ، جزى الله ابن تيمية خيراً ، وشكراً لابن تيمية على ما أهدى وأسدى وأبدى .
ولله الحمد أولاً وأخيراً .
وكتبه / عائض القرني
 
من هو ابن تيمية ؟
 
يكفي أن تعرفه بهذا الاسم ؛ فإذا قلت ابن تيمية فكفى ، ولا تزد على ذلك أوصافاً ، أهل المعرفة وأهل العلم يعرفون من هو ابن تيمية من خلال آثارة وكتبه ورسائله وجهوده وثناء الناس عليه ، وإنني أعلن – بالمناسبة – حبي لهذا الإمام العظيم ؛ أحببته لصدقه وإخلاصه ، لإيمانه وجهاده ، أحببته لعلمه ويقينه ، أحببته لعمقه ورسوخه :
       أحبك لا تفسير عندي لصبوتي  ***    أفسر ماذا ؟ والهوى لا يفسر’
وسوف لا أطيل على القارىء بالتراجم التقليدية التي تنقل من بطون الكتب ، فإن فعلت ذلك فكأني ما فعلت شيئاً ، ولم أزد شيئاً ، ولم اضف ألى المكتبة الإسلامية شيئاً جديداً ؛ إنما قصدي أن أعصر ذهني لأستخرج منه الفقه في ترجمة هذا الإمام وفي سيرة هذا العلم – جمعنا اله به في دار الكرامة - ، وزادي في ذلك الحب والمعرفة التي عمرها ثلاثون سنة .
فمنذ ثلاثين سنة وأنا أعيش مع هذا الإمام ، من خلال تراثه المبارك الذي سرى في الأمة حتى قال بعضهم : ترجمت بعض دوائر المعارف للدولة العباسية بخمس وعشرين صفحة ولابن تيمية بأربعين صفحة ! ، فانظر إلى دولة عاشت ما يقارب الستمائة سنة ، وحكمها سبع وثلاثون خليفة ، ومع ذلك لم تحظ إلا بخمس وعشرين صفحة ، وقارن بها هذا الفرد  العلم الذي لم يتول أي منصب ؛ لا وزارة ، ولا إمارة ، ولم يجمع تجارة ، ومع ذلك ترحم له بأربعين صفحة ، وأقول : إنني لا أعلم عالماً حظي بالتراجم والكتابة والاهتمام والانشغال بمثل ما حظي به ، حتى  إنه ليصدق عليه بيت المتنبي :
      وتركك في الدنيا دوياً كأنما ***  تداول سمع المرء أنمله العشر
حتى إن بعض الباحثين ذكر أنه قد ألف في ابن تيمية أكثر من ثلاثة الآف كتاب ، ما بين رسالة وكتاب وبحث ورسالة دكتوراه وماجستير وبحوث جامعية .
 
فيا لهذه العظمة ! ويا لفتح الله على العبد إذا فتح سبحانه وتعالى .. !

 
طهره في شبابه
 
كان ابن تيمية من الصغر في عناية الله عز وجل وفي رعايته ، فلا تعلم له صبوة ، ولا تحفظ له عثرة ، لم تنقل له زلة ؛ لأنه عاش في بيت إمامه وعلم وصيانة وديانة ، فقد رباه أبوه المفتي الحافظ عبدا لحليم ، وكان أعمامه أيضاً من أهل الولاية لله عز وجل ، فنشأ بين بيته الطاهر العفيف ، وبيت الله العامر المبارك ، وحفظ كتاب من الصغر ، وتعلم السنة وأخذ الآداب الإسلامية من أهل العلم ، وحفظه الله – الحافظ – عن تهور الشباب ، وطيش الفتوة ، ونزق الصبا ، فعاش عفيفاً ديناً مقتصداً صيناً رزيناً عاقلاً محافظاً على الفرائض ، معتنياً بالسنن ، كثير الأذكار والأوراد ،بعيداً عن اللهو وعن البذخ والسرف واللعب وكل ما يشين الرجال ، وكل ما يخدش المروءة ، وكل ما يذهب الوقار ؛ فصار محل العناية  من الأكابر ، حتى كان يعرف إذا مر فيقال هذا ابن تيمية ؛ لاشتهاره  بين أقرانه بالجد والمثابرة وحب العلم والبراعة في التحصيل ، وسرعة الحفظ والذكاء ، وجودة الخاطر وسيلان الذهن وقوة المعرفة – رحمه الله –
 
جده في التحصيل
نقل المؤرخون وأهل السير أن ابن تيمية كان منشغلاً في كل أوقاته بتحصيل العلم ما بين قراءة وتكرار وحفظ ومذاكره واستنباط وكتابة  وتأليف وتعليق ، فلا تراه إلا منكباً على كتاب  أو جالساً بين يدي شيخ ، أو مذاكراً للطلاب، أو مطارحاً لأقرانه وزملائه ، فكل أوقاته انشغال من اولها إلى آخرها ، إلا ما كان فيه وقت مباح كنومٍ أو طعامً أو نحو ذلك ، حتى إنه لم يتزوج – رحمه الله – لانشغاله بالعلم والجهاد ونشر الخير في الناس ، ولم يتول أي ولاية ولا مشيخة ولا دار حديث ولا منصب دنيوي ، ولم يتشاغل بالمال ، ولم يذهب
 
 
في تجارة ، ولا في زراعة ، ولا في أي مهنة من المهن ، بل كان - رحمه الله – منكباً على العلم ، ثم إنه لم ينهل من علم واحد ولا من تخصص فحسب ، ولا من فنٍ فقط ، بل تبحر في جميع الفنون فبرع فيها ورد على أصحابها ، ورسخ في الجميع فصار آية وأصبح أعجوبة ً فبتحصيله يضرب المثل بين طلبة العلم ، وسيرته تعتبر نبراساً لمن اراد أن يحصل المعرفة ويبحث عن العلم ، ويصعد في سلم الهمة العالية ، فهو بلا شك قدوة في هذا الباب ، وأسوة حسنة لرواد المعرفة ، وشداة الحق ، والباحثين عن الحقيقة ، والطالبين للعلم النافع .
 
حفظه
أما حفظه فحدث ولا حرج ؛ فقد صار ابن تيمية مضرب المثل عند أصدقائه وأعدائه ، واعترف الكل له بأنه أحفظ من رأوا ، وعدوه من الأئمة الكبار في الحفظ ، وليس حفظاً فقط بل حفظاً بفهم ، فكان يسابق حفظه نظره ، وكان يعطى الكتاب في صغره فيقرؤه مرة فينتفش في ذهنه ، وذكر عن نفسه أنه يقرأ المجلد – بحمد الله – فيرسخ في ذهنه ، وبذلك حفظ كتاب الله عز وجل ، وحفظ السنة المطهرة ، وحفظ أقوال أهل العلم ، وحفظ الآثار ، وحفظ التفاسير ، وحفظ شواهد اللغة ، فكان إذا  تلكم أغلق عينيه فسالت قريحته بنهر يتدفق من العلم النافع المبارك حتى قال فيه بعض الشعراء :
وقاد ذهن إذا سالت قريحته ***   يكاد يخشى عليه من تلهبه !
وقد نفع الله بهذا الحفظ ؛ فقد تركت ذاكرته القوية المباركة للأمة ميراثاً مباركاً من الكتب النافعة ، وكان يملي عليه أحياناً بعض المجلدات من حفظه في السفر وفي الحبس حيث لا توجد مكتبة لدية فيأتي بالعجب العجاب ، وينقل بعض كلام الأئمة بنصه وفصه ثم يعلق عليه ، وربما استدرك ، وينقل الأحاديث من حفظه وينسبها لأصحابها ، أما القرآن فقد سال على طرف لسانه يأخذ ما شاء ويترك ما شاء فقد حفظه من الصغر حتى أصبح كتاب الله عز وجل عنده كسورة الفاتحة ، مع فهم ثاقب لما يحفظ ، فليس ناقلاً فحسب كما هو شأن كثير من الناس يحفظ المعلومة ثم لا يتصرف فيها ، بل كان يحفظها ويعيها وينزلها ويقدرها حق قدرها ، ويوظفها في المكان المناسب ، ويخرج مها ما شاء الله من الكنوز والعبر والعجائب ، فيأتي بما يشده الألباب ويذهل العقول من الفوائد والدرر والنكات العلمية .
 
ألمعيته
من تلظى لموعه كاد يعمى ***  كاد من شهرة اسمه لا يسمى !
الألمعية هبة يهبها الله من يشاء ،وابن تيمية له القدح المعلى في هذا الباب ، فإذا كانت الألمعية هي سرعة الخاطر وجودة الذهن ، فإن ابن تيمية الأولي في هذا الباب عن أهل العلم ؛ فقد كان يفهم المسألة بقوٍة وجدارة ، وكان يعي منا يقرأ  وكان ينتزع الفائدة ويستنبط من النص استنباطاً عجيباً ، وكان إذا حاور يفهم كلام محاوره ويرد عليه في سرعة البرق ، وكان إذا كتب يسبق خاطره قلمه ، - كما يقول عنه مترجموه - ، ومن ألمعيته أنه كان يدرك الشبهة في أسرع وقت ، ويرد عليها ويزيف الزائف من الكلام ، ويثبت الحق ، ويميز بين المتشابهات ،  ويفرق بين المختلفات ، وكان يوهم بعض الأئمة في بعض الأبواب من تخصصاتهم ، فأحياناً ينقد بعض المحدثين والمؤرخين ،وبعض الفلاسفة وأهل المنطق ، وعلماء الكلام ، ويرد عليهم في تخصصاتهم فإذا هو أفهم منهم بفنهم وبتخصصهم ، ومن ألمعيته – رحمه الله – أنه إذا دخل في علم قلت لا يجيد إلا هذا العلم ، ولا يحسن إلا هذا الباب ، فيأتي بالعجب للعجاب ويسهل له هذا المسلك الذي سلكه فيكون فرداً في بابه ،ويكون وحيد عصره فيما نهجه وفيما أتخذه ؛ فألمعيته – رحمه الله – محل الشهود ومحل الاعتبار من الجميع حتى صار فرداً ووحيداً في هذا الباب .
 

 
سعة علمه
من العلماء من برع لكن في فن واحد ، فمنهم المحدث الجهبذ في حديثه ، ومنهم العلامة في فقهه ، ومنهم الفرد في تاريخه ، ومنهم الأوحد في ادبه ،ولكن ابن تيمية كان بحراً لا تكدره الدلاء ، فهو المنظر لأهل السنة في باب المعتقد ، وهو المحدث الناقل البصير الجهبذ في علم الحديث رواية ودراية ، وفي علم الرجال ، حتى شهد له المزي – وكفى به شاهداً – في هذا الباب ، وشهد له الذهبي ايضاً ،وهو فرد زمانه في هذا التخصص ، فكان يجرح ويعدل ويميز بين الروايات ،ويعرف هذا الفن معرفة تامة دقيقة ، وقد استولى على جميع أبوابه وعلى جميع فصوله وفنونه ، وهو في استنباط النص آية من آيات الله عز وجل ، فكان يورد الآية والحديث ثم يورد كلام أهل العلم ممن سبقه ، ثم يأتي بكلام زائد على كلامهم ، وربما انتقد كلامهم أو وافقه أو عارضة أو سكت ،وكان أعجوبة في التفسير ، يقرأ – كما ذكر عن نفسه – أكثر من مائة تفسير في الآية ، ثم يدعو الله ويتضرع إليه فيفتح عليه سبحانه وتعالى علماً في الآية لم يكن مكتوباً من ذي قبل ، وربما أملى في الآية الواحدة كراريس ، ونقلوا عنه أنه بقي سنوات طويلة في شرح : ( إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ) ، وكان يأتي بالآية الواحدة ربما يذكرها بعد صلاة العصر في مجلسه فيغلق عينيه ، ثم يذكر الأقوال والترجيحات والاختلافات والنقولات وما قيل فيها ، معترضاً وموجهاً ومصححاً ومقرراً حتى صلاة المغرب كما قرأ الفلسفة ورد على الفلاسفة وزيف كثيراً من اقوالهم وردها إلى الوحي ، ورد على المناطقة وتغلب عليهم بالحجة وعلا عليهم بالبرهان ، ورد على علماء الطوائف من رافضة ومعتزله وجهمية واشاعرة وصوفية ودهرية ويهود ونصارى كل ذلك وهو معتصم بالدليل ، سائر مع النص ، متحاكم إلى الوحي .
 

 
همته
همة تنطح الثريا وعزم  ***  نبوى يزعزع الأجيالا
ل اعلم عالماً بعد اصحاب الرسول علية الصلاة والسلام بلغت به همته مثل ما بلغت همة ابن تيمية به ، فقد اتعبته ولكنها أوصلته غلى مراقي الحمد ، ومصاف الكرامة ، وغاية المجد ، وذروة الشرف ، وسنام القبول في الأرض ، همته حركته إلى طلب العلم النافع فلم يرض بعلم دون علم ، ولم يقنع بتخصص دون تخصص ، ولم يشبع من فن دون فن ، بل رسخ في الجميع ، ومهر في الكل ، واستحوذ على قصب السبق في المعرفة ، تتجلى همته في العبادة ، فقد كان خاشعاً منيباً مخيبتا متسنناً ، كثير الأوراد صلاة وصياماً وذكراً ودعاء وقيام ليل وجهاداً وإخلاصاً وأنابه وتواضعاً وخشية لله عز وجل وغيرة وفي التأليف ، فهو من العلماء الثلاثة الذين بلغوا الغاية في التأليف ، وهم ابن الجوزي والسيوطي بالإضافة إليه ، وقد كان أكثرهم تحقيقاً وتنقيحاً ورسوخاً وعمقاً ونفعاً وأثراً في الأمة ، حتى قيل إن مؤلفاته بلغت بالرسائل والكتب أكثر من ألف مؤلف ،ولو جمعت لكانت أكثر من خمسمائة مجلد ، وقد ضاع منها الكثير ، كما تتجلى همته في الدعوة ؛ فقد اشتغل بالدعوة الفردية ، والدعوة الجماعية ، ودعوة السلطان وحاشيته ، ودعوة العامة ، ودعوة الطوائف جميعاً ، ودعوة غير المسلمين ، فدعا بالكتابة والخطابة والدروس والمراسلة ، ودعا وهو في الحبس ، ودعا في المعركة ، ودعا بالآيات البينات ودعا بالحجج القواطع ، ودعا بالراهين الساطعة ، والأدلة اللامعة ، ودعا بالمناظر والمجاورة ، ودعا مشافهة ،ودعا كتابة ؛ فكانت حياته – رحمه الله – دعوة من أولها إلى آخرها .
 

 
غيرته
الغيرة وقود ملتهب يمنحه الله من يشاء ، فيأنف من الخسة ، ويرتفع عن الدناءة ، ويعشق الكمال ، ويتلهف على الفضيلة ، ويحب معالي الأمور ، وهكذا كان ابن تيمية يغار على محارم الله ، ويغضب كل الغضب إذا انتهكت حدود الله عز وجل .
كان يفادى بروحه الملة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، وقد جلد من أجل حماية جناب المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فقد اعتدى بعض النصارى على الجناب الشريف بكلام فدافع ابن تيمية ، فشكاه ذلك المعتدي إلى السلطان ، وهيج العامة على ضربه ، فجلد شيخ الإسلام في مجلس السلطان بسبب هذا ، وهذا وهذا في سبيل الله عسى إله أن يأجره كل الأجر على هذا الموقف العظيم ، وألف في ذلك ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المخالفة الشرعية غيرها بما عنده من فقه فكان لا يرى منكراً إلا قام كل القيام حتى يغير هذا المنكر ويدخل السوق فيغير المنكر ويغير المنكر وينبه على الباعة وأهل المكاييل والموازين وينهى الصوفية عن ابتداعا تهم ، ويغير على المخالفين من الكهنة والسحرة والمشعوذين ، وينهى عن مخالفة السنة ظاهراً وباطناً ، ويدعو الناس إلى منهجه عليه الصلاة والسلام ،،، ويقول ك لا يسع أحد في العالم الخروج على سنته صلى الله عليه وسلم ، وكان يغار في مجلس السلطان فيقول الحق غير هياب ولا جبان ولا خائف ، بل يصدع بالحق بقلب جريء أشجع من قلب الأسد في إقدام وإصرار ، حتى هل منه السلطان ، وتعجب منه الملوك ، وخافه أرباب الدول ، واحترمه العامة والخاصة ، لما علموا من صدقه وجرأته وثباته – رحمه الله - .
 

 
سلامة مشربة
ابن تيمية صاحب المنهج الوسط العدل الصحيح الصافي ، فقد أخذ مشربة من كتاب الله عز وجل وسنه رسوله عليه الصلاة والسلام ، فلا تعرف له بدعة ولم تحفظ عليه مخالفة للكتاب والسنة ، بل كان دائماً مع الدليل ، مع الآية والحديث متبعاً من سلف من أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ، لا يخالفهم ، وإنما يشد من أزرهم ويقوي منهجهم ، ويدعو إلى مذهبهم وإلى منهجهم – رضوان الله عليهم – موقراً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معظماً ربه كل التعظيم ن ومحترماً أئمة الإسلام ، ولا يقول بعصمة غير الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان – رحمه الله – الإمام المعتبر في سلامة المنهج ، وصحة المعتقد ، وصفاء المذهب ، حتى سارت على منهجه مدارس وجامعات وجماعات وطوائف ، واستحسن أهل البصيرة ما سلكه – رحمه الله – في كتبه وفي رسائله وفي منهجه الإصلاحي فجزاه الله عنا خير الجزاء .
 
زهده
يقول هو عن الزهد : ترك ما لا ينفع في الآخرة وحقق هو هذا القول في حياته ؛ فقد أعرض إعراضاً كليا عن الدنيا واطرحها وزهد فيها ، وعاش للآخرة ، فلم يتول ولاية، ولم يتقلد منصباً ، ولم يجمع مالاً ،ولم يأخذ أعطيه ، ولم يضع درهماً على درهم أو دينار على دينار ، ولم يبن بيتاً ، ولم يتخذ سكناً ،ولم يأخذ مزرعة ، ولم يذهب في تجارة ، ولم يعمر عمارة ، ولم يتكثر من الملابس ، ولم يتآكل بالعلم ، ولم يذهب في حاجته الخاصة الدنيوية ، بل كان جل همه العلم النافع والعمل الصالح ، فما عرف في وقته أزهد منه ، وكان يرضى بالقليل من الطعام ، وكان لا يسرف في الأكل بل يكتفي بلقيمات ، وكان يلوه أصحابه على قلة أكله ، ومع ذلك لا يغير من عادته ، متقشفاً في ملبسة ، وما كانت تعرف له إلا غرفة واحدة بجانب المسجد ، مع قلة الملابس وقلة ذات اليد ، وما كان يميز بين الدراهم ولا بين الدنانير ،وكان ما يأتيه من المال دون طلب منه يصرفه في الحال على الفقراء وعلى المساكين ، ولم يمس عنده فيما يعلم درهم ولا دينار ، فأقر له الموافق والمخالف والمحب والمبغض بأنه آية عجيبة في الزهد والانقطاع إلى الله ن وإهانة الدنيا وعدم الالتفات إلى أصحابها ، وعدم توفير خدامها ، وإنما توفيره لأهل العلم وللعباد والزهاد وللصالحين عموماً .
 
تقشفه
 
مر شيء من هذا في الزهد ، ولكن علم أنه من شبابه لم يكن صاحب رعونة ، حيث يشغله ملبسة ومطعمه ، أو تلهيه هموم بطنه وشهواته عن معالي الأمور ، بل كان – رحمه الله – يحتزيء باليسير من اللباس واليسير من الطعام ؛ فكان يلبس الثوب الواحد والعمامة على ما تيسر من ملابس ، شأنه شأن أفراد الناس مع نظافة وطهارة ن وكان ينام على ما تيسر من فوائد هذا الحديث فراش ، فلم يتخذ الفرش الوثيرة ولا اللحاف الكثير ،ولم يعدد في اللباس ، ولم يكثر من الأطعمة ، فكان ربما اكتفى بالصنف الواحد من الطعام ، مقبلاً على شانه ، مهتماً بعلمه ، مستغرقاً أوقاته في عيادة ربه ، ما بين تلاوة وقراءة ومطالعة وذكر وتأمل وجهاد ودعوة وأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين الناس .
 
سنيته
اتباع السنة منحة ربانية وعمل صالح مبرور من أعظم أعمال العبد ، ولا يحصل ذلك إلا توفيق من الله ، وفرق بين أن يقرأ العبد السنة ويطالعها ويحفظها وبين أن يضيف إلى ابن التسنن بها وظهورها على حركاته وسكناته ، وكذلك كان ابن تيمية –رحمه الله - ؛ فقد ظهرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قولا ًوعملاً ، في عباداته ، في معاملاته ، في كلامه ، في أخذه وعطائه ، في سلمه وحربه ، في رضاه وغضبه ، في تأليفه وفي رسائله ، في خطبه ودروسه ومواعظه وحواره وجدله ، فكان من نظر إليه ذكر الله عز وجل وتذكر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان معظماً للرسول صلى الله عليه وسلم ، موقراً له، خاشعاً بين يدي سنته ، مستسلماً لحكمه ، معظماً لحديثه ، متبعاً لآثاره مقتدياً بكل ما صح عنه عليه الصلاة والسلام ، فظهرت بركته على أصحابه وطلابه وتلاميذه ، حتى قالوا ما رأينا أكثر عملاً بالسنة من ابن تيمية ، ولا رأينا من لاحت عليه معالم السنة في كل حركة من حركاته من شيخ الإسلام ، حتى إن من رآه تذكر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، يذكرك به في لباسه ، في عمامته ، في قميصه ، في نومه ، في يقظته ، في أكله وشربه في ذهابه وآياته ، في مخالطته للناس وفي عزلته ، مستمسكاً بالسنة حرفاً وجملة وأثراً أثراً ، فغفر الله له .
 
سلفيته
ابن تيمية هو إمام السلفية في عهده والعهود التي لحقته ، فكان على منهج السلف اعتقاداً وتعبداً وعملاً وجهاداً ، فهو السلفي بمعنى الكلمة ،فلا يعرف في عهده ولا بعده من احتذى حذو السلف أو اقتدى بالسلف أو اقتدى بالسلف حذو القذة كابن تيمية ، فإنه قرر مذهبهم في المعتقد ؛ في الأسماء والصفات ، في توحيد الربوبية والألوهية ، في اليوم الآخر ، في القضاء والقدر ، في الوعد والوعيد ، في حب أهل البيت ، في حب الصحابه ، وفي كل مسألة كبيرة أو صغيرة من المسائل كان على منهج السلف ، ولم تعرف له مخالفة – رحمه الله - ، وليس معصوماً لكنه رجاع إلى الحق ، وكان مقصده أن يقرر مذهب السلف ، وهو الذي نظره وأظهر للناس ، وألف فيه وشرحه وبسطه وأوضحه وأزال الشبه عنه ، ونفض الغبار الذي تراكم عليه في القرون التي تلت التابعين ورد على خصوم هذا المنهج ، ودحض اقاويلهم ، ودمغهم بالدليل ، وداسهم بالبرهان ، فأظهر هذا المنهج أيما إظهار ، ونصره أيما نصر ، وخدمه أيما خدمة ، فصار معلوماً للخاص العام ، وعلمه في دروسه وفي خطبه ، ودعا إليه سراً وجهراً ، حتى في مجالس الملوك ، وفي ديوان السلطان ، وفي بلاط الوزراء والأمراء ن وفي مجامع القضاة فكان ينتصر لهذا المذهب ويغضب له ، ويرى أنه الحق وأنه الأسلم والأعلم والأحكم ، وكل رسائله ومؤلفاته وكتبه تشهد بذلك ، فلو قلت : إن الناصر – حقيقة – لمذهب السلف من عصر ابن تيمية إلى الآن هو ابن تيمية لما ابتعدت عن الصواب ، وكل من أتي بعده في الغالب من متبع السلف استفاد منه ، ونهج نهجه ، وانتفع بكتبه ، وسار على منواله ، فمن مقل ومستكثر ، فرحم الله هذا إمام ، ما أحسن تقريره لمذهب السلف ، وما أوضح شرحه ، وما ابسط عبارته ، وما أحسن مقاله ، وما أجمل تأليفه في هذا الباب ، حتى إنا نقر – والحمد لله – بأننا استفدنا كل الفائدة من هذا الإمام في معرفة منهج السلف في المعتقد ، وفي العبادات ، وفي السنن ، وفي كل شأن من شؤون الدين ؛ فجزاه الله عنا خير الجزاء .
 
ابن تيمية مع الدليل
من تميز ابن تيمية أنه صاحب دليل وبرهان ، فلا يقول قولاً له دليل في الكتاب ولا في السنة إلا أورده ، وهمه أن يعتصم في كل مسالة بآية أو بحديث ثابت ، فليس صاحب هوى وليس مقلداً متعصباً ، بل يطلب الحق أينما وجد ، ويريد الحجة ، ويفرح بالبرهان ، ويتبع الدليل ، يسير معه حيثما سار ، سواء كان في أصول المسائل أو في فروعها ، فتراه إذا كان الدليل مع أي مذهب من المذاهب – سواء كان حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً – ذهب معه وأعرض عما سواه ، وهو يوصي طالب العلم أن يعتصم في كل مسألة بدليل ثابت ، ثم لا يلتفت إلى قول أحد من الناس كائناً من كان ، ويرى أن على طالب العلم أن يدور مع الدليل حيثما دار ، ولا يكون مقلداً ، فإن العلماء ليسوا أنبياء معصومين ، وهذا الذي ميز شيخ الإسلام ؛ حيث جعل لكلامه من الخلود والقبول والرسوخ والصالة والعمق ما ليس لغيره ، فليس ضعيفاً في إيراد الكلام ، بل تجد عليه أنوار النبوة تلوح ، وعليه براهين الحق تسطع .
 
ابن تيمية مربياً
أثرت الشريعة على ابن تيمية في حياته وفي أخلاقه وفي سلوكه ؛ فتجده متلذذاً بالعلم سائراً معه ، قد ظهرت بركة المللة عليه في كلامه وفي حواره وفي مناقشاته وفي ردوده ، وتجده في غصون كلامه ينصح ويوجه ويرشد ويدعو ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فقلما يورد قضية إلا وجه إلى الحق فيها وبين الصواب بقلم سيال وبلفظ جذاب ، وهو مدرسة في التربية وفي التوجيه ، ليس ناقلاً فحسب وليس مكتفياً بعرض رأيه فقط ، بل يعرض رأيه ويدعو البقية إلى طلب الحق ، فهو بهذا يربي الجيل ويوجههم إلى ما فيه خيرهم .
 
أبن تيمية مفسراً
في سيرة ابن تيمية انه قد حوى التفسير وطالع كتبه جميعاً ، سواء المأثورة منها أو العقلية التي تعتمد على الرأي ، ثم فهم الجميع ، وحصرها وعصرها ، ثم أخرج لنا درراً في غصون كلامه ، وقد نقل أن له تفسيراً خاصاً به ، لكن الذي طالعناه من كلامه في التفسير عجب من العجاب ، فأحياناً يورد الآية ثم يسهب في مقاصدها ومعاينها ومراميها وأحياناً يغلط كثيراً من المفسرين ويرى أهم وهموا وأخطئوا في ما ذهبوا إليه ، كل ذلك بأصالة لا تعرف الضعف ، وبكلام رجل عرف اللغة وعرف مدلول الكلام ،وعرف النقل صحيحه وسقيمه ، وعرف أراء المفسرين وأقوالهم في المسألة ، فصار بحق من أعظم المفسرين الذين مروا في تاريخ الإسلام ، واشاد كل من ترجم عنه بهذه الميزة فيه ، بل عدوا من أعظم ما تميز به ميزة التفسير .
 
ابن تيمية محدثاً
علم الحديث علم شريف جليل والمحدثون هم بمنزلة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهم خيار الأمة وصفوة الأجيال ، وقد أشاد بهم ابن تيمية ومدحهم بشتي المدائح ، ونوه بذكرهم وقال إن لهم نصيباً من قوله سبحانه وتعالى : ( ورفعنا لك ذكرك ) ، وأنزلهم منزلة الصحابة في الفضل ، وأنزل أهل المنطق والفلسفة منزلة المنافقين ، والرجل صاحب حديث فأحياناً يتكلم عن السد والعلل الخفية ، وأحياناً يتكلم عن الاعتبار وعن الشاهد وعن المتابعة ، كما يضيف الضعيف ، ويوهن الواهي ، ويبين الموضوع ، ويتكلم عن المعنى بكلام لا أحسن منه ، وينسب الحديث إلى من خرجه ويبين مصادر كل رواية ويبين الزيادة ، ويعرف الشاذ ، ويدرك المنكر ، ومن طالع كتبه بتمعن وجد أنه محدث من أكبر المحدثين ، بل شهد له معاصروه بذلك كالكزي والذهبي والبرزني ، وغيرهم من أهل الحديث .

 
ابن تيمية فقيهاً
الفقه هو إدراك معنى النص والغوص في دلالة النقل ، وهكذا كان ابن تيمية، فليس فقهه فقه من ينقل الأقوال أو يتبع كلام الأئمة ويحفظه وينقله لنا ، لكنه أدرك أقوال الأئمة جميعها ، وأقوال الموافقين والمخالفين وأهل المذاهب والروايات المختلفة لكل عالم، ثم جعل النص نصيب عينيه واستنبط منه ، ثم ذكر من وافقه ومن خالفه ، والعجيب فيه عينيه واستنبط ، والعجيب فيه سرعة بديهته ،وجودة استنباطه ، وحسن انتزاعه المعنى من الدليل ، فهو الفقيه بحق في فتاويه ، وفي تقريراته ، وفي مراسلاته ، وفى عرضه للمسائل ،حتى إن لامه لا يختلف من كتاب إلى كتاب أو رسالة إلى رسالة ، بل تجد الرسوخ ، وتجد الاتفاق ، وتجد المعنى ، فأحياناً يبسط المسألة ، و أحيانا يختصرها ، لكن المقصود أن كلامه واحد لا يتغير . 
 
ابن تيمية مناظراً
نقل عنه أهل السير انه كان يحضر مجالس المناظرة ، وتعقد له مناظرة مع خصومه ومخالفيه فيأتي بما يبهر الألباب ، ويعلو عليهم وينتصر بالحجة الدامغة ، والبيان الخلاب ، والذاكرة الواعية ، والبديهة اللماحة ، حتى إنه ناظر كثيراً من الطوائف في حضور السلطان وعلى مرأى من الخاصة والعامة ، فكان الحق معه وان الله يؤيده ؛ لأنه يريد الحق وحده ، وقد ذكر كثير من أهل التاريخ أن علماء الطوائف اجتمعوا له وهم في وصف وهو وحده في وصف قال بعض المؤلفين واصفاً الموقف : ولكنها بحيرات صغيرة صادفت – والله – بحر ثجاجاً ، وذرات صادفت جبلاً راسخاً ‍ وكان لا يكل ولا يمل من المناظرة ، بل كان يستدرج من يناظره ويحاوره حتى يوقعه ويصرعه ، كل ذلك ومقصوده أن يكون الحق هو المنتصر في الأخير ، فليس قصده المغالبة لذاتها ، ولا قصده الظهور والشهرة ولا قصد أن تكون له منزلة ولا مكانة ، فقد ترك المنازل الدنيوية لأهلها ، وأبى المناصب وعاف الولايات ، واعرض عن المال – كما أسلفنا – فالمقصود انه ما كان يحجم ولا يجبن وقت المناظرة ، بل كان جرئياً ذا قلب شجاع ثابتاً كالأسد في حومة الوغى .
 
ابن تيمية مجاهداً
عرف ابن تيمية بالجهاد العلمي والعملي ، فجاهد جهاد الكلمة ، عبر الدروس والخطبة والمحاضرة والوعظ والنصائح والكلمة ، عبر الرسالة والمؤلف والفتوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد بالنصائح عند السلاطين ، وعند الظلمة ، وعند المخالفين من الطوائف،والجهاد بالسيف ، فقد حضر غزوة ( شقحب ) ، ودعا الناس للجهاد ، بالفطر في رمضان ، وثبت ثبات الجبال ،وأبلى بلاء حسناً ،ودخل على السلاطين بقلب جريء ثابت ، حتى تعجب منه الناس وذهل منه أصحابه وقالوا: ما رأينا أشجع منه ، لا كل ولا مل ولا جبن ، فغفر الله له .
 
ابن تيمية عابداً
لا خير في العلم إذا لم يورث عالماً عابداً صاحاً مصلحاً ولا أثر لمعرفة الإنسان الإنسان إذا لم ترشح على تصرفاته أخلاقاً وسلوكاً ، كان ابن تيمية في جانب العبادة من الصالحين الكبار ، عمل بعلمه، - رحمه الله – في عباداته الخاصة ، فكانت صلاته طويلة ، مخبتاً في ركوعه وسجوده ، كثير الذكر حتى إنه لا يفتر لسانه ، وربما استغفر ألف مرة أو أكثر الابتهال ،وكان يردد دائماً لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكان كثير الابتهال والتضرع ، كثير الدعاء والبكاء ، كثير المسألة والإنابة ، كثير التوبة ،وكان يرى أن زاده هو الذكر ، وأن قوته هو التسبيح ، وكان يجلس بعد صلاة الفجر إلى أن يتعالى النهار وهو يردد الفاتحة ،ويمضي الليل الطويل ما بين الركوع والسجود والقنوت والبكاء والتضرع ، وكانت تلوح عليه أنوار الطاعة ، وإذا خرج إلى الأسواق ورآه الناس كبروا وهللوا ، ومن رآه ذكر الله عز وجل ورأى فيه القدوة المثلى والأسوة الحسنة ، وكان إذا قرأ القرآن قرأه بصوت خاشع مبك حزين ، وكان له تأملات في كتاب الله عز وجل وله تدبر ، وكان كثير الصدقات ، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كثير الإصلاح بين الناس ، كثير التواضع ، جم الأخلاق ، عفيفاً منيباً صادقاً .
 
كلامه عن اليهود
فقد كشف ابن تيمية زيفهم وبين مخازيهم في كثير من كتبه وفي غصون كلامه ، شارحاً للآيات التي وردت بصددهم ، عارفاً – رحمه الله – ضررهم على الأمة وما فعلوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، ملماً بكتبهم وفرقهم وطوائفهم ، كل ذلك وقصده محاربتهم وحماية الدين منهم .
 
كلامه مع النصارى
عايش ابن تيمية النصارى في الشام وعرف طوائفهم وفرقهم معرفة تامة ، وألف كتاب ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ) يبين فيه زيفهم وخطورتهم على الإسلام وما خالفوا فيه شرع الله عز وجل وما ضلوا فيه ، فإن النصارى علموا بلا علم ، واليهود عندهم علم بلا عمل ، فبين – رحمه الله – ما على النصارى من مؤاخذات تقدح في أصول الشرائع وتخالف ما جاء به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وما نزلت به الكتب ، كل ذلك بالإنصاف والحجة والرهان والعدل ، ليس بالتشهي ولا بالهوى .
 
كلامه مع الملاحدة
الإلحاد جريمة كبرى في الدنيا ولعنة ساحقة ما حقة في العالم ، وهو قديم ، وهو قديم قدم الظلالة في الأرض ؛ ولذلك كان ابن تيمية – رحمه الله  - يتصدى لهذا النفس سواء من أهل النظم أو أهل النثر ، ممن انتسب للإسلام أو من المنتسبين لغيرة من الفلاسفة واهل المنطق ومن سار على منهجهم ، فيبين انحرافهم المشين ، وغوايتهم الظاهرة ، وسبب كل غواية ، بل يأتي إلى الملحد فيبين أصل إلحاده ، ومنشأ هذا الإلحاد وسببه وأقوال ذاك الملحد ونقولاته ، سواء كان من الصوفية الاتحادية أو الحلولية وسواء كان من أهل الفلسفة أو من أهل المنطق ، أو من أهل الهوى والزيف ، وقد يجمع له رسالة في ذلك ، أو كتاباً مستقلاً في غصون كلامه في مؤلفاته.
 
كلامه مع الرافضة
من أحسن كتب شيخ الإسلام على الإطلاق ( منهاج السنة ) ، ولو ذهب ذاهب من مكة إلى الصين حافياً ماشياً لطلب هذا الكتاب لكان سفره قليلاً ! فإن الرجل بحق أتي بكتاب لم يسمع بمثله ، وجادت قريحته بهذا المؤلف المبارك الخالد ، فبين كل البيان بالأدلة الشرعية القاطعة ، والحجج العقلية ، وبالتنزل ، وبالحوار الصادق ، وبالكلمة الجزئية الناصعة مخالفة الرافضة لأهل السنة ، واعتداءهم  على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبهم للشيخين ، وكذبهم وافتراءهم وعدم معرفتهم بالتقل ، وعدم صدقهم ،وعدم وضوحهم في المنهج ، والعجب في هذا الكتاب أنه يستدرج خصمه ويستزله ثم يحفر له قليباً – كما يقول بعض أهل العلم - ، ثم يضعه فيه ، ثم يطم عليه ويتركه مكانه ‍. ومنهاج السنة ظهرت فيه أمور منها : الانتصار لأهل البيت ، ولأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ومنها بيان الكذب  والزيف الذي دخل على الأمة من طريق الرافضة ومنها أن الحق ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل البيت، وفي أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ، وفي المعتقد ، وهو الذي عليه أهل السنة واتباع السلف الصالح .
 
كلامه عن الخوارج
الخوارج قوم مارقون منتسبون إلى الإسلام ، وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ، وصيامكم غل صيامهم وتلاوتكم إلى تلاوتهم ولهم أتباع ويرون الخروج على أئمة الجور ، ويرون سل السيف على الأمة ،ويكفرون بالكبيرة ،وقد تتبعهم ابن تيمية في كتبه وبين مخالفتهم واصل نشأة فكرتهم الضالة وبين أسباب شططهم وجورهم ، ودمغهم بالدليل ، وبين الحق الذي ينبغي في هذه المسائل بياناً شافياً كافياً لا عوج فيه ، فأثبت أن أهل السنة ليسوا خوارج بل هم متبعون للدليل لا يخرجون على أئمة الجور ولو ظلموا ما لم يروا كفراً بواحاً ، ولا يكفرون صاحب الكبيرة ما لم يستحلها ، بل هو مؤمن ناقص الإيمان أو فاسق ، ويأخذون بالكتاب والسنة ،ولهم منهج آخر مغاير للخوارج الضلال .
 
ابن تيمية وكلاه عن المرجئة
والمرجئة قوم يقابلون الخوارج ؛فهم يرون أن أصل الإيمان واحد ، وأنه لا يزيد ولا ينقص ،وأنه يضر مع الإيمان ذنب ، وأن صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ، وهذا كله خطأ مخالف للكتاب والسنة ، وقد بين ابن تيمية خطورة هذا المسلك ، ورد عليه في كتبه ،وشرح وبسط ، وبين أن أهل السنة ليسوا مرجئة ،وأن الإيمان يزيد وينقص ؛ ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وأنه متفاوت والناس متباينون فيه على درجات ، وان إيماننا ليس كإيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وأن صاحب الكبيرة فاسق بكبيرته ناقص الإيمان ، وأن الذنب يضر في الإيمان ، وكل ذلك مخالف لما سارت عليه هذه الفرقة .
 
ابن تيمية والجهمية والمعطلة
نشأت ناشئة من معطلة النصوص عطلوا أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى وصفاته العلا ، ألحدوا فيدين الله عز وجل ، وقالوا بخلق القرآن ، وقد صار لهذه الفرقة شأن وصوله وجولة في عصر المأمون ،وتصدى لهم الإمام أحمد – رحمه الله – في مسالة القول بخلق القرآن ، وأتى ابن تيمية بعده بقرون فبين أصل هذه الشبهة ، ورد عل الجهمية رداً مفصلاً في كثير من كتبه ودحض زيفهم ،وبين أن أهل السنة ليسوا جهمية معطلة ، وأنهم يثبتون الأسماء والصفات كما أتت في الكتاب والسنة ، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ،وأن القرآن كلام الله عز وجل ليس بخلق من خلقه، وإنما هو من أمره تبارك رب العالمين .
 
 

 
ابن تيمية وكلامه عن المعتزله
 
والمعتزلة قوم قدموا العقل على النقل ، وقدموا الرأي على الدليل ، وأثبتوا الأسماء ونفوا الصفات ، فتتبعهم ابن تيمية ورد عل أئمتهم ردوداً ، وأورد من الأدلة القاطعة والجامعة المانعة ما يؤيد مذهب أهل السنة في الباب ، وأن أهل السنة ليسوا معتزلة ، وأن النقل مقدم على العقل ، وبين أن العقل أصلاً لا يتعارض مع النقل ،وأتي بكتابه الشهير الخطير الذي يقول عنه ابن القيم ما طرق العالم مثل هذا الكتاب وهو ( درء تعارض العقل والنقل ) في عشر مجلدات كبار ، بين فيه هذه الشبه وزيفها ، ودحضها وأقام الحجة وأوضح المحجة لأهل السنة بجواب شاف كاف .
 
ابن تيمية والأشاعرة
الأشاعرة اقرب الناس لأهل السنة ، ومن أئمتهم أناس نفع الله بهم ودافع بهمم عن المللة ، بل ردوا على المعتزلة وردوا عل الجهمية المعطلة ، ولكنهم خالفوا أهل السنة في كثير من المسائل ، بينها الشيخ ابن تيمية في كتبه وأوضح الحق في ذلك ؛ كمخالفتهم في إثبات سبع صفات ونفى الباقي من الصفات ، وبين أن القول في بعض الصفات كالقول في البقية ،وأن من أثبت صفاته لله عز وجل يلزمه أن يثبت بقية الصفات ، وأن القول في الصفات كالقول في الذات ، وقد ذكر هذه القواعد في رسالته المباركة ( التدمرية ) ، فليس أهل السنة اشاعرة بل يثبتون الأسماء والصفات عل ما جاء به كتاب الله عز وجل وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتقيدون في ذلك بالدليل ، وهم على ما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما قاله تابعوهم بإحسان ، فليعلم ذلك .
 

 
ابن تيمية ولاكلامه عن الصوفية
كتب ابن تيمية كتاب ( الاستقامة ) وجله عن مذهب التصوف ،وله كلام في الصوفية في فتاويه ورسائله وفي كتب أحرى ، بين الحق فيها زيفهم ، وبين منهم الغالي وصاحب البدعة المكفرة والمفسقة ، ورد على الحلولية وعلى الاتحادية وكفرهم ، وذكر ائمتهم وبين شبههم ومخالفتهم لكتاب الله عز وجل وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكشف خطورة منهج التصوف على الدين ؛ لأن الصوفية أماتوا الدين وعطلوا النصوص ، وأماتوا الجهاد ، وشابهوا النصارى في قتل النفس ،وفي منعها من المباح ، وفي الصعاب ، وابتداع طقوس ما أنزل الله بها من سلطان ،وانتهاج نهج مخالف لأهل السنة في سكناتهم ، في موالدهم وفي اجتماعاتهم ، في هيئاتهم في خزعبلاتهم وترهاتهم ، كل ذلك رائدة الدليل والحق وليس الهوى والتشهي .
 
ابن تيمية وكلامه عن القدرية والجبرية
 
أهل السنة يثبتون لله قضاء وقدراً فالذي قدر الأمور هو الله عز وجل ، سبق علمه ثم كتابته ثم مشيئته ثم  إنقاذه لقضائه وقدره جل في علاه ، وخالف في ذلك طائفتان ؛ قدرته يرون أن الأمر لم يقدر وأنه أنف ، وانه لم يسبق علم من الله عز وجل ، ومنهم من قال لم يسبق علم ولم يسبق كتابه ، ومنهم من قال لم يسبق علم بل سبق تقدير ، فأخطأ هؤلاء وهؤلاء ، والصحيح أنه سبق علم وتقدير ومشيئة ثم إنقاذ ، وقابلهم فرقة أخرى وهم الجبرته ، وقالوا : إن العبد مجبور على فعل المعصية ، وأنه لا مشيئة للعبد أبدا ، ببل هو كالريشة في مهب الريح ، وكالميت بين يد الغاسل ، فبين ابن تيمية ، فبين ابن تيمية خطأ هؤلاء ، وخطأ هؤلاء ، وبين أن للعبد مشيئة تحت مشيئة إله عز وجل ، وأنه ليس مجبوراً على المعصية ، وأن له اختياراً تحت اختيار الله جل في علاه، وأن الحجة البالغة له سبحانه وتعالى ، وأنه لا حجة لعاص على الله تعالى بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب .
 
توقيع ابن تيمية
لابن تيمية كلام خاص يستميل العقول ، وله عبارات أخاذة مؤثرة تعلم بالاستقراء أنها لابن تيمية ، فمن سبر كتبه وقرأ رسائله وتبخر في علومه حفظ له مصطلحات وجمل وكلمات كأنها من الأمثال عند الشعراء ، أو من الشواهد عند البلغاء ، حتى تصلح أن تكتب في براويز وأن تعلق من جودتها ومن سطوعها ، مثل قوله : إن المعاصي تمنع القلب من الجولان في فضاء التوحيد ، مثل قوله: ليس في العالم أحد يدور معه الحق حيثما دار إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكلامه حجة على غيره وليس كلام غيره حجة عليه، ومثل قوله : الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة ، والورع ترك ما قدر يضر في الآخرة ،ومثل قوله : عن الفقير والغني أفضلها أتقاهما عند الله ،ومثل قوله : علم الفلسفة كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ، ومثل قوله عن علم الفلسفة – أيضا – إنه لحم خنزير في طاسة من ذهب ؛ يعني أنه خبيث في عبارات براقة ، ومثل قوله : من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً
صلى الله عليه وسلم ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة ، ومثل قوله : كل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة ،وكل قلب لا يهتدي بهدي هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه .
الشاهد أن للشيخ عبارات براقة سارت ها الركبان،وحفظها الأذكياء من الناس ، وصارت كالطابع على البريد، وكالختم على الخطاب ، تحفظ حفظاً وتنقل نقلاً .
 
عباراته
ابن تيمية له أسلوب خاص يعرف بالاستقرار ، حتى إن من أدمن النظر في كتبه يعرف كلامه ولو لم ينسب غليه ، فجزا لته وفخامته وقوته وإشراقه تميز عن كلام غيره من العلماء ، فليس فيه ضعف وليس فيه هشاشة ،وليس فيه تصنع ،وليس فيه تنطع ولا تكلف ؛ بل تجد النصوع والقوة والتدفق والجلالة ،مع ماكساه الله عز وجل من بهاء ؛ لأن صاحبه متبع للدليل مؤمن بربه ، صالح في نسه ، فأثر ذلك في كلامه حتى صارت عباراته أخاذة يفيد منها الخطيب والواعظ والمؤلف والمصنف واصبح من أراد أن يقوي كلامه يأخذ في غصون حديثه كلاماً لابن تيمية فيصبح مقبولاً عند الناس ن وهذا من فضل الله على هذا العبد الصالح الجليل ن فليس فقط صلاحه في نفسه وتأثيره في كلامه ن بل تأثيره في كتبه وعباراته الرائدة الرائعة .
 
استدلالاته
ابن تيمية – كما أسلفنا – صاحب دليل وبرهان ،وهو يستدل بالنقل وبالعقل ،ويستدل بالحال ،ويستدل بالمشاهدة ، وله في ذلك مقامات جليلة في عرض المسائل، فهو يعرض الآية ويشرحها ويفصلها ،ويعرض الحديث الصحيح ويبينه ، ثم يعرض الشبهة العقلي ويردد عليها برد عقلي ،ويرد على القوم من كلامهم ،ويظهر تناقض الخصوم ويبين عوارهم ويظهر زيفهم للناس، فهو ليس عاطفياً يجلب بخيله ورجله بلا برهان ولا دليل، بل يطيل النفس في الاستدلال ، وتمضي معه في توافقه في استنتاجه وتعلم أن الحق معه ؛ لأنه يذهب معك في طريق طويل ، ثم يجمع في هذه الطريق كل ما يساند قوله من الحجة والبرهان والمثل والشاهد والآثار والاعتبار ، كل ذلك مع نفس تأبي الظلم ولا تريد الباطل ن إنما تنشد الحق أينما كان .
 
طول نفسه
ابن تيمية – رحمه الله – واسع البطال وليس محدود الثقافة ، فإذا كتب استطرد لجودة محفوظة وكثرة علومه وتعدد معارفه وتنوع تحصيله العلمي ، مع ذاكرة جبارة هادرة غنية ثرية تثري الموضوع وتكفي وتشفي ، فيطول نفسه ويسيل قلمه ويدخل من باب إلى باب ، ومن علم إلى علم ، ومن فن إلى فن ، فلا يزيد إلا إشراقاً ، ولا يزيد إلا لموعاً ، ولا يزيد إلا عظمة وفخامة وجلالة ؛ وسبب ذلك ما آتاه الله عز وجل من استعداد فطري للعلم ، ومن قوة حافظته ، ومن غزارة مادته ، ومن صبر وجلد ، يظهر ذلك في كتاباته ؛ فأحياناً يوجز في الجواب ويقول قد بسطت ذلك في موطن ، كذا ، وأحياناً يكرر الجواب ولكنه لا يكرره بفصه ونصصه ، بل يأتي بفوائد عجيبة وغريبة لم يوردها في الجواب الأول ، وربما عرضت له القضية عشرات المرات فيجب ويتكلم ، ثم يأتي بفوائد لم توجد أصلا في العشرات التي مرت ، ويسأل أحياناً عن مسألة فيجيب عليها ، ثم يأتي باستطرادات عجيبة وطريقة وشريفة تكون للسائل أفضل ضل وأفيد من جواب السؤال الذي سأل عنه ، وهذا منهج معروف في الشرع .
 
سرعة خطه
من لطائف سيرة الشيخ ابن تيمية أنه سريع الخط ، فخطه أسرع من كلامه إلا أنه معلق اشد التعليق ومغلق ، يفكه بعض تلاميذه كابن رشيق  وغيره ، ولكن الساهد أنه ربما ألف في ألف الواحد أربع كراريس ،وربما ألف الجلسة الواحدة كتاباً ( كالتدمرية ) ، و ( الحموية ، و( الواسطية ) ، وقد درست كل واحدة منها في سنة دراسية في الجامعات ، وربما كتب كتاباً في عدة أيام ، فكان يتناول القلم ثم لا يتوقف ، وليس عنده أوراق ولا مراجع ولا كتب قريبة منه ثم لا مصنفات ، وإنما يفيض الله سبحانه وتعالى عليه من فتوحاته، ومما استودعته ذاكرته العجيبة القوية ، فتنهال عليه وتسخو ، وتمطره بشآبيب من المعرفة ، وتسح سحاً وتسيل سيلانً ، وتتدفق تدفقاً ، فيكتب سريعاً مملياً كل ما جاد به خاطره في الموضوع ، من شرح لآية ، أو بسط لحديث ، أو كلام عقلي ن أو كلام معرفي ، أو كلام لخصومه من الفلاسفة وأهل المنطق وعلماء الكلام والفقهاء والصوفية ، ومن سار مسيرهم من كافة الطوائف .

 
تعدد معارفه
سبق القول عن تفنن ابن تيمية في العلوم ، وأضيف هنا إن ابن تيمية لم يكتف بمعرفة دون معرفة ، ولم يتخصص في فن دون فن ، بل ابحر وتعمق في كثير من الفنون والمعارف ، حتى إنك إذا قرأت له في فن تظن أنه سخر حياته لهذا الفن فحسب ، وانه اعتنى بهذه المعرفة فقط ، وما ذاك إلا لعدة أمور ، منها : ما وهبه الله – عز وجل – من ذكاء بارع ، ومن ذاكرة قوية ، ومن جد ومثابرة ، ومن تفرغ للبحث والقراءة والاستفادة ، ومن نفس وثابة وهمة عالية لا ترضى بالدون ؛ فإنه على سبيل المثال أتى إلى علوم أجنبية كعلم الفلسفة والمنطق وعلم الكلام فمهر فيها وأبحر ورسخ ، ثم رد على أصحابها ونقض شبههم شبهة شبهة ، بين الحق في هذه المسائل ، وقد رأينا وقرأنا لمن تبحر في علم الحديث مثلاً ، فأفتى عمره في هذا العلم ثم لم يستطع أن يكون فقيهاً ،ورأينا من رسخ في علم الفقه ومهر فيه ثم لم يستطع أن يكون محدثاً ، ورأينا من تخصص في علم التفسير وأمعن النظر فيه فصار مفسراً ، لكنه قصر في علم الحديث وعلم الفقه ، فما بالك بمن ألم بعلوم الإسلام علماً علماً ، ثم أتى إلى العلوم الوافدة الغربية فمهر فيها علماً علماً ، فأتي بالعجب العجاب ! ... ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
 
تنوع أساليبه
ابن تيمية له أساليب متعددة في طرحة للموضوع ؛ فمرة يوجز العبارة إذا رأى أن المقام لا يحتمل الإكثار ، ومرة يبسط القول ويسهب ، ومرة يذكر الدليل إذا علم أن السائل بحاجة غليه ، ومرة يكتفي بإيراد الجواب والكلام فحسب ، ومرة يذكر الأقوال المتعددة في الباب ، ومرة يكتفي بالقول الراجح ، وأحياناً يذكر الأدلة بإسهاب سواء العقلية أو النقلية ، ومرة يكتفي بالنقل في الباب ، وأحياناً يصرح بأسماء أصحاب الأقوال ، وتارة يكتفي بذكر الأقوال دون نسبة إلى قائليها ، وأحياناً يأخذ الجزئية من المسالة فيذكر ما قيل فيها من القديم والحديث حتى تأتي في مجلد ، وأخرى يأتي بها في اسطر ، وأحيانا تجده يرد على الأقوال الضعيفة في المسالة ويبين الراجح ، وأحياناً يبين الراجح دون أن يرد على الأقوال الأخرى ويكتفي بذكر الصحيح في الباب .
 
تاليفه
ترك ابن تيمية للمكتبة الإسلامية تراثاً عامراً وتركه مباركة ، فهو من أكثر من ألف على طول تاريخ الإسلام من أهل العلم ، لكنه تأليف جاد مفيد ناع باق بإذن الله ، وهو من العمل الصالح الذي يبقى لصاحبه ، ولا أعلم عالماً نفع بتأليفه الأمة في عدة فنون كهذا العالم ، ولا أعلم عالماً نفع الله بتأليفه الأمة في عدة فنون كهذا العالم ، صحيح أن أحمد بن حنبل –مثلاً- أو البخاري ، أو الشافعي ، أو مالك ، لهم تأليف نافعة ، لكنها في أبوابها جزاهم الله خيراً عن الإسلام ، غير أن ابن تيمية ترك عدة تأليف في عدة فنون ؛ فنفع أهل الإسلام في باب التفسير ، والفقه ، والمعتقد ، وأصول الفقه ، والمنطق والفلسفة ،وعلم الكلام ، إلى آخر ذلك ، فهو مفيد في عدة أبواب ، نافع في كثير من الفنون،والعجيب في تأليفه أنها سارت بها الركبان ، وصارت حديث الناس ، ودخلت الجامعات ، واستفاد منها أهل العلم على تعدد مشاربهم ، فما بين مختصر وشارح ومستفيد وناقل وجامع .
 
ابن تيمية ليس ناقلاً فحسب
فرق بين أن يؤلف الإنسان كتاباً فينقل الأقوال ويجمعها في الباب ، وأن يأتي إلى الأقوال فينتقدها ويناقشها ، ويأخذ الصحيح منها ويترك الضعيف ،ويستفيد من العبارات ويقوم المعوج منها ، ويثني على الطيب ويعقب على الواهن والضعيف ، وهذا ما يفعله ابن تيمية ؛ فإنه لا يقبل القول على عواهنه ، بل يناقش الأقوال عبارة عبارة ، وفصلاً فصلاً ، ويشيد بالحسن الجميل ،ويرد الواهي الهزيل ، وتجدد يتجرأ حتى على الأكابر في كثير من المسائل ،ويبين الوهم فيكل مسالة ، ويجمع أطراف الموضوع ، ويأخذ المعلومة فيوظفها هو بعبارته ويكسوها بجلباب جملة القوية الآسرة الأخاذة ؛ فإن له قاموساً خاصاً ، فيه من الجلالة والفخامة والإشراف ما أمتاز به هذا الرجل ، فكأنه شاعر موهوب عبقري يمتاز عن بقية الشعراء ، وكذلك كان ابن تيمية في المؤلفين ، له رونق خاص ، وديوان متفرد يعلم أنه من كلامه لجلاله حديثة وسمو عباراته .
 
ابن تيمية ومسألة التوحيد
 
من أعظم المسائل التي يجب البحث فيها والكلام عنها مسألة التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام ،وقد أحسن ابن تيمية كل الإحسان في هذه المسألة ، فاستولت على جل حديثة وكتاباته ورسائله وتأليفه ، واعتنى بها كل العناية ؛ لحاجة البشر غليها ، فالله – عز وجل – لم يرسل الرسل أصلاً ولم ينزل الكتب إلا لتقريرها ، فبسطها شيخ الإسلام بأنواعها كتوحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتحدث عن أفعاله سبحانه وتعالى ، وتحدث عن مسألة الشرك بأقسامه وبينها برسائل ومؤلفات ، وبسطها فبعدة مواطن ، ونوع الأساليب فيها ؛ لأنه يعلم أنها أصيل الأصول وأنها أكبر المائل وأنها أعظم القضايا ، فهو بحق منظر أهل السنة والجماعة في ماله التوحيد ، وهو إمامهم من عصره فما بعده في قضية المعتقد ، وهو الذي أقام هذا الفن وشرحه ودافع عنه وناظل عن قضاياه وبين الحق في ذلك.
 
ابن تيمية ومسألة التاريخ
 
تقل الذهبي وغيره أن الشيخ مؤرخ ، وأنه يعتني بتاريخ الدول والرجال والسلاطين ، وما سلف كافة الأمم والشعوب ، ومن يقرأ بعناية لتأليف ابن تيمية يلحظ ذلك، حتى إنه يلحظ اهتمامه بتاريخ ما قبل الإسلام ، حتى القضايا التي لا يهتم بها أهل العلم ، في الغالب تجده متجرأ فيها ملماً  بها فمثلاً سئل عن الإسكندر المقدوني فبين أن الإسكندر اثنان ، ثم شرح تاريخ كل واحد منهما ، وتجده يعنتي بالدول والأشخاص من الأمراء والوزراء الذين مروا والسلاطين ، حتى ولو كانوا من دول غامضة ليست معروفة عند الكل ؛ وسبب هذا حبه للاطلاع ، وشغفه بالمعرفة ، وولهة باكتشاف المخبوء من العلوم والفنون والتخصصات ، وقد نفعه ذلك في أن تكون له عقلية ثقافية متسعة ، وذهبية مطلعة متوثبة .
 
جلده على البحث
الذين تكلموا عن ابن تيمية وصفوه بأنه لا يكل ولا يمل من البحث كما أسلفت ، حتى في أوقات انشغاله ومرضه كان يجعل الكتاب على صدره ، وربما أكب عليه ، فهو دائماً في بطون الكتب ، يذهب وراء المسألة في كل كتاب ، فتكون شغله الشاغل حتى يلم بها ويحققها ويرسخ فيها ويجيد الحديث عنها ، فلا يكتفي بكتاب ، ولا بعالم عن عالم ، ولا بمذهب عن مذهب ، بل يستطرد وراء المسالة ،ويكتنز شوا ردها ، ويجمع فرائدها ، ويلم بها إلماً ، حتى يكفيك كلامه عنها فياي باب عن أي مؤلف ، أو أي عالم من العلماء .
 
صبره على التحصيل
 
لا يحصل العلم الذي جمعه ابن تيمية إلا بصبر على الطلب وجلد على التحصيل ، وكذلك كان هو فإنه ا ستفرغ عمره كله ليلاً ونهاراً ،صيفاً وشتاءً ، حلاً وترحالا في طلب العلم فكان يدور على المشايخ ،حتى دار على أكثر من مائة عالم ، وجل مع أرباب المقالات ، وزار أهل التخصصات ، كل ذلك وهو يلم ويحوى ما عندهم ويجمع ما لديهم، فتراه مكرراً لما يحفظ ، أو متأملاً ، أو كاتباً ، أو مناقشاً،أو مناظراً ، أو مجادلا أو مفيداً ، أو مدرساً ،أو مؤلفاً ،أو مدرسا أو مؤلفاً ، أو مراسلاً ،فكانت حياته علماً وعملاً ، ولا اعلم رجلاً من المتاجرين دفع عمره كله للعلم والتعليم كابن تيمية ، ربما وجدت علماء تفرغوا للعلم ولكن ليس كل التفرغ ؛ فعندهم ما يشغلهم من الزوجات والأبناء والمناصب والوظائف ، لكن ابن تيمية ، ربما وجدت علماء تفرغوا للعلم ولكن ليس كل التفرغ ؛ فعندهم ما يشغلهم من الزوجات والأبناء والمناصب والوظائف ، لكن ابن تيمية ليس له أسرة يقوم عليها ، ولا أبناء يشتغل بتربيتهم ، ولا تجارة يهتم بها، ولا وظيفة يقوم عليها ،ولا منصب يزاوله ، إنما شأنه وقضيته الكبرى هذا العلم ن وتعلمه ،وتعليمه ، والعمل به .
 
دابة في نشر العلم
 
مما زاد محبتنا لهذا الإمام أنه نشر علمه نشراً لم يسمع بمثله ، نشره بعمله
فكان كل من يقرأ سيرته ويعايشه ويعرفه تمام المعرفة يتأثر بسيرته وأخلاقه وأوصافه ، - وهذا نوع من أنواع نشر العلم - ، وكان يتكلم في مجالسة كلها عن العلم ، النافع المفيد ، فلم يشتغل بقضية غير العلم ، وليس له حديث ي أمور الناس ، ولا في اسعارهم أو أخبارهم ، ولا في أخبار سفرهم وإقامتهم ، ولا في صنوف معايشهم ، إنما همه وشغله وقضيته نشر العلم النافع المفيد.
فقد نشره بواسطة تدريسه ن فكان يعقد الحلقات في المساجد ليلاً ونهاراً لا يشغله عن ذلك شاغل ، وكان ربما عقد الندوات للمناظرة النافعة المفيد ، وكان ينشره بواسطة الرسائل التي عمت وانتشرت وبهرت الموافق والمخالف ، وكان ينشره عبر الكتب النافعة المفيدة التي تصل إلى عشرة مجلدات أو أكثر ، وكان ينشره عب الذهاب إلى الناس في أماكنهم والي الملوك السلاطين وغلى الأمراء ، وكان لا يجلس مجلساً إلا أنشأ قضية ، أو تحدث عن مسالة ، أو تكلم في باب من أبواب العلم ؛ فكان إما مذاكراً أو مستفيداً أو شارحاً أو مؤلفاً أو مراسلاً أو خطيباً أو مفتياً ،حتى في سجنه ؛ كان بعد أن تنتهي من عبادته وأوراده يشتغل بمراسلة الناس بالفتاوى والكتابة في العلم .
 

 
صموده رغم المعوقات
 
فابن تيمية لم يثنه ما حصل له من الأذى والكيد والمكر والمجابهة والمواجهة ، بل زاده ذلك قوة وإصرار ومضاء واستمرار ، فإنه واجه من الحسد ما الله به عليم حتى من أقرب المقربين إليه ؛ فحسده أرباب المذاهب الإسلامية ،وأهل المشارب الفقهية ، وحسده علماء الكلام ،وحسده أهل الطوائف من غير أهل السنة ،وآذاه كثير من  الولاة والسلاطين ، فافتروا عليه  ونسبوا إليه ما لم يقل ، ألفوا فيه الكتب والرسائل ، وأهدروا دمه ، وافتوا بقتله وضللوه ،ودعوا السلطان إلى سجنه .
وبالفعل سجن خمس مرات ،وكادوا ، ومنعوا كتبه ومنعوه من التدريس ، ومنعوه من الحديث ومواجهة الناس ، وتناولوا عرضه ، وشتموه وسبوه ، وجلد مرة من المرات ، وأخرج من دمشق إلى مصر ، كل ذلك والرجل منشرح الصدر ، وصابر مصابر محتسب على ما أصابه في سبيل الله مصر على تبليغ فكرته ، مستمر عل الدعوة إلى الله عز وجل ، لا يزيده الكيد إلا قوة وثباتاً وصبراً واحتساباً ، فصار مضرب المثل في ذلك كله ، وتعجب أصدقاؤه وخصومه من شجاعته ومن إصراره – رحمه الله - ، فما ثناه حبس ولا قيد ولا جلد ردود ولا تهديد ولا وعيد عندما قام له من تجديد أمر الأمة ، بل كلما آذوه نشراً لعلمه ، وصبراً على خصومه ، وحباً لأصحابه ن وثقة في وموعود ربه، وتفويض الأمر إلى خالقه ، ورضا بكفايته ووكالته – سبحانه وتعالى - ، وتفاؤلاً بالعافية الحسنة ، وبذلك صارت له – بفضل الله – العاقبة الحسنة ، فانتشرت كتبه وتأليفه ، وانتصر على حاسديه ، وكبت خصومه وصارت الدولة له والدائرة على أعدائه .
 

 
ابن تيمية ونفسه الجادة
 
من يقرأ سيرة هذا الإمام بالتفصيل يرى الجد والمثابرة  في سيرته العملية والعلمية ، فهو لا يعرف الهزل ولا الدعابة القائلة ، ولا صرف العمر في حواشي المسائل أو اللهو واللغو والعبث ، أو فضول العلوم والأعمال ، بل كان يختار أنفع المسائل وأفيد الأعمال وأفضل القربات ، فهو الجد كله وكأنه منذر جيش ، وكأنه مدعو للقاء الله في كل غد .
فهو يحرص على العمل النافع المثمر المفيد من الأقوال والأعمال والمؤلفات والرسائل ، فلا يختار إلا أحسن الأبواب ، فتجده يؤلف في الأسماء والصفات ؛ لأنه يعلم أنها من أجل العلوم بل من أفضل الأبواب ،ويستفرغ جهده في باب المعتقد وفي مسالة التوحيد فيبسط القول في ذلك أكثر من بسطه  في فروع المسائل ، حتى إنه ألف في الأصول أكثر مما ألف في الفروع ، وسئل عن ذلك فقال : من عبد الله في الفروع على مذهب أبي حنيفه أو مالك أو الشافعي أو أحمد فقد أصاب في الجملة ، لكن الخطورة أن يخطئ الإنسان في المعتقد أو الأصول ؛ ولذلك كفى الأمة في هذا الباب أثابه الله .
 
ابن تيمية وأسلمة العلوم
 
هذه عبارة عصرية حادثة ، ولكنك إذا نقلتها إلى عصر ابن تيمية تجده يؤسلم المعرفة ، يأتي بالعلوم الداخلة والنون الوافدة عل المسلمين فيضعها في ميزان الكتاب والسنة فيقبل الصحيح منها ويترك المخالف ويطرح المرذول ، وهذا ما يطلق عليه أسلمة المعرفة ، فكلما سمع بفن قرأه وأبحر فيه ثم عرضه على منهج الوحي ، وحاكمة في محكمة الرسالة الخالدة ، وعلى ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن وافق رضية وقبله وقال هذا تحصيل حاصل فهو لدينا ، وإن خالف رده مهما كان قائلة كانت قوة هذا القول .

 
ابن تيمية ومشروعه الإصلاحي
 
ابن تيمية ليس كغيره من العلماء الذين همهم – فقط – التحصيل والنفع في  محيطهم وبني عصرهم ، بل له مشروع إصلاحي يهمه ويؤرقه؛ وهو إعادة الناس إلى الكتاب والسنة وهو ما يسمى ( بالتجديد ) ، إذ تلحظ عليه التقعيد لهذا الباب ، والنظرة العامة الشاملة للأمة ، والهم ، لإعادتها إلى كناب الله –عز وجل – وسنة صلى الله عليه وسلم ، وتصحيح مسارها ، وتوضيح الطريق الذي صار ملتبساً على كثير من الناس ، فليس همه فقط أن يتخصص في الفقه ليكون مفتياً أو قاضياً أو خطيباً أو معلماً ، لكن همه أن يجدد للأمة ما درس من دينها ، وأن يعيدها إلى الجادة الأولى التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان ، وهذا المشروع الذي ترك أثره ونفعه في الأجيال .
وإني أقول كلمة حق : لو أن علوم هذا الإمام انتشرت في الجامعات الإسلامية والمدارس وقامت بها الجماعات الإسلامية والحركات الإصلاحية ، لكان فيها من النفع العظيم والإصلاح والتجديد ما كفانا وشفى غليلنا وأروى عليلنا في هذا الباب ، لما وجد – بإذن الله – هذا التخبط والالتباس في بعض المدارس الفكرية وبعض الدعوات الإصلاحية ، من غبش في مسألة المعتقد ، ومن انحراف ، ومن بدع عند البعض ؛ لأن هذا الرجل – مع ما أوتي من نظرة شاملة ومن تجديد وإصلاح – فيه من الصفات والصواب والتسديد ما الله به عليم .
 
ابن تيمية ونظرته الربانية
علم هذا الإمام علم مبارك ، يقول المعاصرين : ومن كرامات الأولياء ما وهبه الله عز وجل ابن تيمية من علم ، فتجد غيره أعطي علماً على حسب ما حصل وما حفظ ، وعلى حسب ما وجد من الكتب والمشايخ ، إلا هذا الإمام وأمثاله فإن علمه علم مبارك غزير ، لا يمكن أن يكون بجهد بشري فقط ، لكن بموهبة إلهية ربانية ، وكذلك كان نشره للعلم ، فقد كان نشراً ربانياً لا يريد من ورائه سمعة ولا ، بل نشره خالصاً لوجه الله – سبحانه وتعالى – مبتغياً ما عنده من ثواب جزي في الدار الآخرة .
فبارك الله بأنفاسه وبكتبه وبرسائله وبدروسه ؛ إذ كان لها من الأثر والنفع ما تلقته الأجيال بعد الأجيال ، وتشاغل به الناس ، واهتم الكثير ، واستفاد منه العامة والخاصة ، وما زالت في ازدياد وانتشار ، وفي بركة وزيادة ، وهذا من الفضل الذي وهبه الله هذا الإمام ، فإنك تجد في كلامه من النور ، ومن النفع والبركة ما لا تجد في كلام غيره ، فإنه يغذيك بصفحات مما يكتب ، ويزيد من معرفتك ،ويزيد من إيمانك ؛ لصحة نيته ولصدقه مع الله عز وجل ، وإخلاصه فيما يقول وفينا يكتب ، وهذا هو العلم المبارك النافع المفيد .
 
ابن تيمية والرسوخ العلمي
 
ابن تيمية لا يجتزئ المسالة اجتزاء ولا يأخذ بطرفها ، وليس بالذي يريد الإشارة غليها مجرد إشارة لكنه العالم الذي يقتل المسالة بحثاً ، فيستولي على أطرافها ، ويفصلها تفصيلاً ، ويشرحها شرحاً كافياً ، بعد الإيمان بها دراسة وبحثاً وتحصيلاً ، وهذا الرسوخ في العلم ، وإذا لم يكن ابن تيمية راسخاً في العلم فمن هو الراسخ إذا ؟ والرسوخ هو العمق والاستيلاء على المسائل ، والفهم كل الفهم فيها ، والتفقه كل التفقه في دلالتها ، وكذلك كان ابن تيمية ، فإنه يتكلم عن المسالة لواحدة كلام بصير بها عاف بوجوه الاعتراض عليها ، مبيناً أطرافها ، كلمة كلمة ، وفصلا فصلا ، وبابا بابا .
 
ابن تيمية وفقه النصوص
 
ميزة هذا الإمام أنه صاحب نص ؛ مهتم بقول الله عز وجل وقول رسول صلى الله عليه وسلم ، وليس مجرد حافظ وناقل للنص ، بل يورد الآية والحديث ن ثم يشرحهما مستفيداً من كلام الأئمة الذين سبقوه ، ثم يأتي هو – بفهمه المتدبر المتعقل لكلام الله عز وجل وكلام رسول صلى الله عليه وسلم - بكنوز وبدور وبجواهر ما سمع بمثلها ، فميزته الكبرى الفقه كل الفقه ، والفهم كل الفهم ، حتى إنه يرد على الأكابر من المفسرين ممن تظن أن الواحد منهم فرد في بابه ، ومع ذلك يلاحظ وينتقد ويعترض ويقول إن القول الصحيح في تفسير هذه الآية وفي شرح هذا الحديث وفي هذا المعنى هو كذا وكذا ، كلام رجل مدرك لمقاصد الشريعة ملم بها ، عارف بمدلولات النصوص ، متبحر في اللغة متعمق في النحو ، صاحب عقلية مستنيرة ربانية مباركة .
 
ابن تيمية والمعاصرة
 
لما حوى ابن تيمية الفنون وجمعها نفعه ذلك في أن يكون له أسلوب عصري متميز ، غير متخل عن مبادئه وأصوله الأولى السلفية السنية ، ولكنه يكسو كلامه بجلباب المعاصرة وبعبارات من عاصروه من العلماء ، بل بالعبارات الجميلة التي تأخذ التي تأخذ بالألباب ، فهو يرى أنه لا مشاحة في الاصطلاح ، وأنه لا غضاضة في أن يوظف الإنسان ثقافية ، وأن يستفيد من مصطلحات معاصريه إذا كانت جميلة وكانت قوالبها أخاذة مؤثرة لتحمل الحق الذي أخذه من الكتاب والسنة ؛ ولذلك كان يتكلم للفلاسفة بمصطلحاتهم  وللمتكلمين بجملهم ، ، وللصوفية بإشاراتهم ، وللمعاصرين من الفقهاء بكلامهم ، وهذا الذي يسر له الانتشار ، والعموم ، والاهتمام .
 
معرفته الخصوم
من يقرأ لهذا الإمام وردوده على خصومه يعلم أنه ليس صاحب هوى ،وليس مقصوده الانتقام الشخصي ، بل نصره الملة ، فإذا أت إلى الخصم تكلم كلام معرفة بقول هذا الخصم ومن هو الخصم ، حتى يدخل في حياته الشخصية ، فتجده أحياناً يرد عل الفكرة الخاطئة ، ثم يأتي بصاحبها فيتناوله بالنقد ، ويتكلم عن حياته مفصلاً ؛ كما قال عن ابن سبعين وعن ابن عفيف التلمساني ، فإنه يقول : إن هذا ليس عفيفاً بل هو فاجر ، وهو صاحب خمر وصاحب معاص ومخالفات ، ثم يذهب وراء حياته الشخصية فينتقده ، فالرجل لا يتكلم عن خصومه بجهل ، لكنه يتكلم بعلم ومعرفة عن حياتهم وأقوالهم تستغرب أن يلم بها ، فلما تكلم – مثلاً – عن ابن الخطيب الرازي بين أن له فصائد يشكر عليها ، وأن له ردوداً على الملاحدة يحمد عليها ، رغم ما عنده من بدعة ومخالفة للسنة .
 
هروبه من المناصب
أتت الدنيا ابن تيمية راغمة ، لكنه ردها بنفس راغبة عنها وعن مناصبها وزينتها وزخرفها وأموالها ، أ‘رض عنها قاصداً عامداً متعمداً ، وترك المشيخة ورئاسة القضاء والولايات وما أعطي من أموال ، تركها كلها لوجه الله ، وأعرض عنها وردها واكتفى بمسجده وبيته الصغير ، بنشر العلم ويجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فانزل الله منزلة وفوق منازل قاضي القضاة ، وفوق منزلة الملوك والسلاطين والأمراء والوزراء والتجار ، فبقي أثره في الأمة وانتشر علمه ، أما كتب قاضي القضاة – مثلاً – وكتب أهل الولايات ، فإنها لا توجد في الغالب ،وليس لها ذلك الأثر ،ولم يسمع بها ، ولم تنتشر ،ولم يتناقلها الناس ،ولم تدرس في المدارس ن بل فقد الكثير منها ، وما وجد منها فأنما هو محصور في زوايا ضيقة ، لم يكتب له ذلك الانتشار ،ولم يستفد منه تلك الفائدة ، ويكفي ابن تيمية أن تراثه أكثر انتشاراً وشهرة ونفعاً للأمة ، وأنه أكثر اثراً من كثير من الدول ، بل لو قلت جازماً غير مغال إنه أنفع للمتأخرين من الدولة العباسية التي عاشت ستمائة سنة وحكمها سبع وثلاثون خليفة ، لما كنت مبالغاً في ذلك؛ نفعه في كتبه ورسائله انتشر في الجامعات والمدارس وعلى المنابر وفي حلقات العلم ، وفي وسائل الإعلام ، وفي المنتديات والمؤتمرات ، ما لم ينتشر أثر هذه الدولة التي عاشت هذا العمر الطويل .

 
ابن تيمية يصنع التاريخ
ابن تيمية – في حقيقة الأمر –صار حديث الركب ،وصار قضية الناس ، وصار الشغل الشاغل للعالم في عصره وبعد عصره ، حتى يحق فيه قول القائل : إنه مالىء الدنيا وشاغل الناس ‍... يقول فيه المستشرق جولد زيهر : وضع ابن تيمية ألغاما في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب ،وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن ‍ وإنك لتجد ابن كثير في ( البداية والنهاية ) – مثلاً – وهو يتحدث في عصر ابن تيمية يجعله الشغل الشاغل ، فأحياناً ينسى من تاريخ الدولة ويذكر ابن تيمية وحده فيقول : دخلت سنة كذا وكان ابن تيمية في جبل كسروان يجاهد النصيرية ، ودخلت سنة كذا وكذا وكان ابن تيمية في الحبس ،ودخلت سنة كذا وكذا وقد ذهب ابن تيمية من الشام إلى مصر ن فصار هذا الإمام هو القضية ، فهذه هي المكالمة والمنزلة ، وهذا هو المجد والعظمة ، وهذا هو الشرف والملك الباقي ، حيث صار هذا الإمام بحق هو شغل الناس الشاغل ، متشاغلين بردوده وكتبه ؛ إن سجن انشغلوا به ، وإن أفرج عنه صار حديثهم ، إن ذهب وغاب صار قضيتهم ، وإن حضر صارا حدوثتهم ، فهو العلم والإمام الذي نشر له هذا القبول بسبب صدفة مع ربه سبحانه وتعالى .
 
ابن تيمية داعية
 
من أعظم صفات العالم أن يدعو غيره إلى ما يحمله من علم ، ,أن ينشر ما حصله ، وأن يبلغ عن الله عز وجل وعن رسول صلى الله عليه وسلم ما استودعه من ميراث ، وكذلك كان ابن تيمية ؛ فإن مما يميزه بين العلماء أنه تحرك بعلمه ، ودعا إلى الله بعمله ومقاله وقلمه وكتبه ورسائله ن فلم يقتصر علمه على الفيتا فحسب ،ولم ينتظر في بيته ليأتيه الناس ، بل ذهب إلى غيره وزار الأماكن العامة ، وتكلم مع الخاصة ،ودخل عل السلطان ، وحاور الفرق المخالفة ، وناظر المبتدعة وراسل الأقاليم ، فكان بحق رجلاً مباركاً أينما كان، وهذا أحسن ما يكون ف العالم إذا عمل بعلمه أن يدعو إلى هذا العلم المبارك ، كما قال سبحانه : ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) ، وكذلك كان هذا الإمام المقدم في بابه وفي صفاته كان مضرب المثل في نشاطه الدعوى ، وف حركته الإصلاحية وف تجديد العالمي .
 
تأصيله للمسائل
 
ابن تيمية لا يلقى الكلام على عواهنه ، ولا يأتي بكلام متفرق لا رابط لهن وليس بحاطب ليل ، بل هو الراسخ في علمه – كما أسلفنا - ، فكان إذا أتى بمسالة أصلها ، وذكر منشأها أسسها ، وردها إلى قواعدها ، فهو مهتم بالتأصيل وبالقواعد الكلية وبجوامع المسائل اهتمام رجل سبر غور الشريعة ، وعرف مقاصدها ، وأدرك أسرارها  ، وكشف غوامضها ، وغاص على دررها ، فكان إذا ظن أن السائل لا يفهم المسالة رجع إلى اصل المسالة ن ثم فرع على هذا الأصل ورد السائل إلى هذا الأصل، وضرب أمثله بجزئيات كثيرة على هذه الكلية ن وذكر أمثلة لفروع هذا الأصل حتى يشفى ويكفي ويكون السائل على بصبرة .
 
تكريره وبسطه
لابن تيمية طرق في الإحاطة ، وطرق في التأليف ، وطرق في الفتوى وفي عرض المسائل ؛ فمرة يكرر الجواب إذا علم أنه لم يعلم من مرة واحدة أو مرتين ، وهو يقول : إنه لابد للحق من أساليب متنوعة ومن أطروحات شتى حتى يفهم ويعرف ، وكلما كرر أبدع وأحسن واشرف ، وأحياناً يكتفي بجواب واحد ، لكنه يبسطه ويكثر الإيراد عليه ، ويأتيه من عدة جوانب ، ويطرقه من عدة أبواب ، ويفتح له السبل ، حتى تنكشف للقارئ المسالة بطول ما يبسطه الشيخ وما يذكره من أدلة ،وأمثلة ،ومن شواهد ن وقصص ، ومن شرح، حتى لا يدع مجالاً للغموض أو التساؤل .

 
جرأته
الشجاعة القلبية موهبة من الله عز وجل ، وثبات النفس عطية بمنحها الله من يشاء من عباده ، ومن مزايا هذا الإمام انه ثابت الجنان ، قوي القلب ، لا يهاب المواقف ، ولا يخاف الموت ولا ينكص على عقبيه طعماً في الحياة وعشقاً في البقاء ، بل يقدم إقدام من باع نفسه من الله عز وجل ، فلا يخاف من بشر ، ولا يرهب إنساناً ، إنما خوفه وخشيته من ربه سبحانه وتعالى ، فهو المتوكل – حقيقة – على الله ، المفوض أمره غليه ، قال أصحابه وطلابه ما رأينا اشجع قلباً ، ولا أقوى عزيمة ، ولا أمضى شكيمة ، ولا أثبت جناناً من ابن تيمية ، كان يهدد بالسيف فيمضي صابراً محتسباً ولا يخاف ، وسجن عدة مرات فما رهب وما عاد عن رأيه ، ودخل على الملوك فكاد يزلزل عروشهم بكلامه القوي الصادق العميق ، وكان يشرح فكرته في كل مكان ، وكان إذا دخل بلاط السلطان كأنه يخطب خطبة الجمعة ، فيكون لصوته صولة ، وله جولة وهيبة ، وعليه مهابة فلله دره ما أقواه ‍
لولا المشقة ساد الناس كلهم  ***  الجود يفقر والإقدام قتال ‍
 
تعظيمه لربه
لا خير في علم العالم ولا دعوة الداعية إذا لم يعظم بذلك ربه ومولاه ويوقره ، ويكون أحب إليه مما سواه ، ويخافه أكثر من غيره ، ويرجوه ويرهبه ، وكذلك كان ابن تيمية فتعظيمه لربه – سبحانه وتعالى – ظاهر من كتاباته وفي رسائله وتأليفه ، وحتى قال بعض الفضلاء من المعاصرين : كنت إذا ضعفت في إيماني عدت إلى المجلد الأول في ( الفتاوى ) ، وقرأت تعظيم ابن تيمية لربه، ومدحه لمولاه ، وكلامه عن قدرة خالقه سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته ، بأسلوب عجيب يأخذ بمجامع القلب ، ويستولي على منافذ النفس ، وهذا ملاحظ ، فتجده إذا ذكر اسم الجلالة عظم ومدح وأثنى ، وهو يذكر آلاء الله عز وجل ، ويحبب ربه إلى خلقه ، ويقدس مولاه وينزهه ، ويتكلم عن أسمائه وصفاته بكلام لم أره لمن قبله من أهل العلم ؛ فإنه يعظم الله بما عظم الله به نفسه في كتابه ، وما عظمه به رسول صلى الله عليه وسلم  في السنة ، وبكلام السلف ، ويورد إيرادات عجيبة ، يكاد ينخلع لها القلب ، وتدمع لها العين، ويقشعر لها الجلد ، فلا تقرأ له مقالاً في تعظيم الله عز وجل إلا وتزداد إيماناً ويقيناً ومحبة وتعظيماً لربك سبحانه وتعالى ، وهذا من بركة العلم ومن فتح الله عليه .
 
توفيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم
توفير الرسول صلى الله عليه وسلم أمر واجب ، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فريضة ، والانقياد إلى أمره والانتهاء عن نهية حتم ، وابن تيمية تلميذ بار في مدرسة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ن وطالب نجيب في جامعة الرسول صلى الله عليه وسلم المباركة ، فقد كان يوقر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ويحترمه وينصر أقواله ، ويقدم قوله على قول كل قائل من الناس ن ويقول ليس في العالم أحد يدور معه الحق حيثما دار إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، ودافع عن رسول صلى الله عليه وسلم ، وأوذي بسبب هذا الدفاع ، وألف كتابه الشهير ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) صلى الله عليه وسلم . أنك تجد في غضون كلماته من إنزال الرسول صلى الله عليه وسلم المنزلة اللائقة التي أنزله بها ربه ما الله به عليم متحاكم غليه ،وليس كإيراد أهل الرأي أ, الفلاسفة أو علماء المنطق ، الذين أعرضوا عن السنة وقدموا العقل على النقل ، بل كان يتحاكم إلى كلام الرسول عليه الصلاة واللام ويرد الناس غليه ، ويرى أنه الحجة الناطقة إذا صح، وأنه لا يسع أحداً في العالم أن يخرج على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .
 
عدله وإنصافه
بنى الله السموات والأرض وخلقهما عل العدل ، والظلم جريمة بشعة سواء كان في الأقوال أو الأعمال ن ومما يلحظه المطلع على ميراث هذا الإمام العدل في ردوده ، والعدل في أجوبته ، وطلب الحقيقة ، فيس بالمتشفي ، ولا بالجائزة ، ولا بالظالم ، ولا بالذي يهضم الناس حقوقهم ويبخس الناس اشياءهم ،ولا بالذي يتجنى عليهم ، ولا بالذي ينسب إليهم ما ليس فيهم ، وليس بالذي يفرج بغلطات أهل الخير من علماء الإسلام ن بل تجده يرد رد منصف طالب للحق ن وكان يردد كثيراً التحذير من الجور ومن الحيف ن ويبسط كلامه في مسألة : ( وحملها في الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) ؛ فيبين كيف وقع الظلم والجهل في الأقوال والأعمال ويربأ بطالب العلم وبالعالم أن يجوز في الحكم على الأشياء ن وأن يحيف ويظلم غيره ، ويحذر من ذلك أتم التحذير .
 
ابن تيمية والوسطية
 
يقول سبحانه وتعالى : 0 وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) ، والتوسط في الأمور يدل على العلم التام ، والخشية المتناهية ، والعقل الراجح ، وكذلك كان شيخ الإسلام ؛ فهو يحمد ربه – سبحانه وتعالى – أن هل السنة وسط في المسائل ، كما أن أهل الإسلام وسط في الدين واملة ، فهم وسط بين اليهود والنصارى ، وكذلك أهل السنة وسط في باب الأسماء والصفات بين المجسمة الممثلة والجهمية المعطلة ن ووسط في القضاء بين القدرية والجبرية ، ووسط في الوعد والوعيد ين المرجئة والخوارج ، ووسط في حب أهل البيت بين النواصب والروافض ، ويستمر ابن تيمية – رحمه الله – في تعداد هذا الوسط ،ويدعو غليه وينهجه ويحببه ويعتنقه ،وأن من نعم الله – عز وجل – على طالب العلم وطالب الحق وحامله أن يكون وسطاً في كل أموره ، حتى في أخلاقه وسلوكه ن فإن الدين جاء بالوسط لا إفراط ولا تفريط ، ولا غلو ولا جفاء ،القصد القصد تبلغوا ما في الحديث ، والتوسط في الأمور هو المحجة الصحيحة التي ينبغي أن يسلكها طالب العلم في أقواله وأعماله .
 
ابن تيمية وروح التجديد
ابن تيمية نسخة لم تكرر إلى الآن في حد علمي ، فليس كغيره من الآف العلماء الذين نشؤوا في الأقاليم والمدن ، فكرروا أنفسهم ، وكرروا غيرهم ، فتجد القاضي سبقة الآف القضاة وأتي بعده الآف القضاة ن وهو نسخة طبق الأصل للهؤلاء في علمهم وفي فهومهم وفتاويهم وأحكامهم ، وليس كغيره من المفتين الكثر – مع أن الله نفع بهم – لكنهم يحفظون متوناً ، ويكررون الكلام السابق لائمتهم ، ويتعصبون لمذاهبهم ، ويقلدون شيوخهم ، ولا يخرجون قيد أنملة عن ما تلقوه من أرباب المذاهب ن أما ، إما ابن تيمية فإنه لم يأت ليحفظ متناً ويدرسه ويعلمه الناس ، بل أتي مجدداً لشريعة ربانية اندرست معالمها قبل القرن الذي كان فيه ن فأتي – بفضل الله – في وقته المناسب وفي زمانه وفي مكانه ، آتى يدعو إلى العودة إلى الكتاب والسنة عودة صادقة ن وينبه الناس أنهم وهنوا في بالتمسك بالنص ن ويبين أن البدع غنما دخلت على الأمة ببعدها عن الوحي فصاح في الأمة صيحة قوية عالية سمعها من شاء الله أن يسمعها ،صيحة تدعو الناس إلى العودة إلى المعين العذب الزلال الذي لا ينضب ؛ وهو الحي المبارك كتابا وسنة ، فدعا إلى التجديد في باب المعتقد ، وفي باب العبادات والمعاملات ، وفي الأصول والفروع ، وفي الأخلاق والسلوك ، وألف في ذلك كتباً فكان ، حقاً – هو المجدد في عصره وفي العصور التي تليه، وما رأيت حركة إصلاحية بعد عصر الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين مثل حركة ابن تيمية ، ومن أجل روح التجديد قام المقامات الشريفة والمواقف الجليلة ، وأوذي بسبب هذا التجديد ، وبسبب الدعوة الإصلاحية ، ونسب إليه أنه يخالف الأئمة ويختلف عن السلف، وهذه تهمة كاذبة لا أصل لها ، بل هو الذي نصر مذهب الأئمة الكبار ، وهو أذى أعاد الناس إلى منهج السلف ، وهو الذي أوضح السنة وجدد أمر الدين ، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء .
 
ابن تيمية والشمول
 
كثير من أهل العلم من يبرع في مسائل أوفي باب أو في تخصص أوفي علم من العلوم ،أما هذا الإمام فإنه، - في رايي – برع في العلوم كلها ، فهو متمكن في باب المعتقد ،وفي الفقه ، وفي الحديث ، وفي التفسير ،وفي أصول الفقه ، وفي اللغة وفي النحو ، حتى إن من اللطائف أن أهل الفنون يستشهدون بكلامه ؛ كابن هشام صاحب ( شذور الذهب ) الذي استشهد بكلام ابن تيمية في النحو ، وكان يعاد غليه في اللغة ، وكان يسأل عن الرجال في علم الحديث ، وكان يناظر كبار الأئمة في أصول الفقه ، ويعلو عليهم ويغلبهم ، ورد على الفلاسفة وكتب كتاباً في المنطق ، وقالب وهم أصحابه في كثير من المسائل وتكلم في علم الهيئة، وفي علم الفلك ، ومن يقرأ كتبه يصاب بدهشة من عمقه ، وعلو كعبة وسعة دائرته في العلوم ، واتساع ذهنه في المعارف ، حتى صار قصة في هذا الباب ، وأعجوبة في هذه القضية .
 
ابن تيمية والأولويات
الحكمة موهبة يهبه الله من يشاء ، وهي السداد في القول والفعل ، ووضع الأمور مواضعها وإيتان الأمور من أبوابها ، وكذلك كان الشيخ ؛ فمثلاً في باب العلم كان يقدم الأول الأول ، فتجده مهتماً بمسألة التوحيد الكبرى التي هي  أعظم مسالة في العالم ، وأجل قضية في الكون، فكان – رحمه الله – يبسط القول في مسائل المعتقد ، ويوضح ذلك أتم التوضيح، ويجاهد من أجله ويناظر عليه ، وكان يلتمس العذر في مسائل الأصول ولا يلاين ولا يتنازل عن شيء ن بل يوضح التوحيد بأبوابه ومسائلة أوضح بيان ، ويدعو إليه ، ويغضب إذا خولف في ذلك وينتصر له أتم الانتصار ، ويلوم ما وقع فيه الكثير من التهاون في باب توحيد الباري سبحانه وتعالى ، وما حصل نتيجة ذلك من انحراف وابتداع ، فكانت جل كتبه في الأصول، وغالب بحوثه في المعتقد ، حتى نظر للمعتقد – سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات – تنظير ، وقعد له تقعيد ، واصل له تأصيلاً استفاد منه الملايين بعده – رحمه الله- وصارت كتبه هي للرجع في المكتبة الإسلامية لمن أراد أن يتعمق ويكشف أسرار الإيمان والمتعقد .
 
 
 

 
ابن تيمية والعبقرية
 
إذا لم يكن هذا الذكاء بعينه  ***  فإني بالقاب الذكاء كفور
وإن لم تكن ألقابكم عبقرية ***  إذا فشهود العبقرية زور !
 
إن لم يكن ابن تيمية عبقرياً فلا أدري من العبقري ؟ ! وإذا لم يستول على منصب الألمعية فليس لأحد أن يترقى هذا المنصب ! وإذا لم يكن هو الذكي اللماح إذا لم نسمع بعد الصحابة بذكي لماح ! إن من أجل ما استوقف المؤرخين والكتبة وأهل السير والباحثين في سيرة هذا الإمام عبقرية الفذة فقد أفاض الله عليه من أسباب الذكاء وموهبة الفهم ما صار حديث الناس وقصة السمر لهم ، سواء الموافق منهم أو المخالف ، ورأيت كثيراً من أعدائه وحسادة يذعنون ويعترفون بنبوغه ، وبقوة ذاكراته وبحافظته الفياضه ، لكنهم يخالفونه في المسائل حسداً من عند أنفسهم ، وبغياً من لدنهم ، والشاهد أنه لا يختلف الصديق ولا العدو على أن ابن تيمية كان عبقريا بمعنى الكلمة ، حتى إن بعض الغربيين كتب عن سيرته ،وأفرد بعض المستشرقين بحوثاً عنه ، وتناولته دور المعارف والمجامع العلمية بالدراسة والتحليل ، وألف في سيرته مئات التأليف ؛ فمنهم من يأتي بابن تيمية في باب الدليل ،ومنهم من يأتي به في باب المحادة والمجادلة ، ومنهم من يذكر سيرته على وجه العموم ، ومنهم من يتناول مسالة المعتقد أو أصول الفقه عنده ، ومنهم من يأخذ مسالة فحسب ، ويبحث عن حياة هذا الإمام وعن جهوده في هذه المسالة ، ومنهم من يتناوله مؤلفاً أو فقيهاً أو مناظرا أو مجاهداً أو محدثاً أو مفسراً ،كل ذلك من الأدلة القاطعة على عبقرية هذا الرجل ، ولا أعلم عالماً بعد ابن تيمية – إلى الآن – أتى في قدره ، وفي علو منزلته ، وفي ارتفاع مكانته ،وفي سعة علومه ورسوخه العلمي وعمقه المعرفي ، لا أعلم عالماً مثل ابن تيمية منذ أن نشأ هذا الإمام إلى الآن ، وقد وتصفحت كثيراً من التراجم ،وعدت إلى كثير من السير لأحد من يشابهه أو يمكن أن يقارن به من قرنه الذي عاشه حتى الآن فلم  أجد ذلك، ووجدت من شهد هذه الشهادة من العلماء وقالوا : لن يتكرر هذا الإمام ! لكن الله عز وجل قدير ، وفضله ًواسع ، إلا أن هذه الحقيقة تفرض نفسها ! وهي أنه فرد في بابه منذ أن نشأ إلى الآن، أي فيما يقارب سبعة قرون، وإذا كان للمعتزلة عظيم في كل ألف – كما قالوا عن النظام- ، فإن العظيم من عصر ابن تيمية إلى عصرنا هذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه ،فغفر الله له رحمه الله .
 
ابن تيمية ليس مقلداً ولا متعصبا
 
العالم لي مقلداً ، والمقلد ليس من أهل العلم؛ لأنه لا يقلد إلا من ضعفت بصيرته ، أو قل ذكاؤه ، أو ضحل علمه ، ولم يكن ابن تيمية كذلك ، بل هو الذي الأريب العالم المتبحر البصير بدينة؛ولذلك كان- رحمة الله – مجتهداً يعمل بالدليل ، ويستنبط بنفسه بعد أن فتح الله عليه ، ولم يكن متعصباً لقول أحد من أهل العلم ، إنما كان قصده الحق ومطلبه البرهان ، فإن يذهب مع الدليل أينما ذهب ، وقد رأيت في كثير من المسائل أنه يرجح غير المذهب الذي نشأ عليه وهو المذهب الحنبلي ؛ فأحياناً يرجح الحنفي أو المالكي أو الشافعي ، أو يأخذ قولاً غير الأقوال الأربعة إذا رأى أن الدليل يسانده ويسعفه ، فليس من متعصبة الفقهاء الذين يغلبون أقوال المتهم ، ويرجحون مذاهبهم بالتشهي والهوى ولو خالف الدليل ، بل كان سائرا مع المذهب الحق ، طالباً الحقيقة ، متعصماً بالكتاب والسنة ، لا ير إلا الدليل من قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام ، ويوصي بذلك في كتبه ورسائله .
 

 
إخماله لمعاصريه
من المدح الذي يشبه الذم لابن تيمية أنه أخمل معاصريه من أقرانه وزملائه وكانوا نجوماً في العلم ، ولكن طلعت شمسيه فاختفى كل كوكب ، كما قال النابغة
فإنك شمس والملوك كواكب ***  إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فكان ابن تيمية – بحق – رجل المرحلة ، فلما ظهر لم يكن لغيره ما له من الصيت والصولة والجولة والمكانة والمنزلة ، فصار حديث المجالس ومشغل الدول ، وكان حديث الركب حتى ضرب بعلمه وبذكائه المثل ، فالذين كانوا أئمة في عصره كالمزى والذهبي والبرزالي ، أو من أصحاب وطلابه كابن كثير ، أو من أقرانه كالسبكي والزماكاني ، وغيرهم كثير لم يكن لهم ذلك الاشتهار والانتشار مثل ما له ، بل كان بعض هؤلاء الأئمة الكبار إنما يشتهر لأنه صاحب ابن تيمية ، أو طلب العلم عليه ، أو رافقه ، أو رد عليه وعارضه .
 
ابن تيمية وفقه التيسير
الدين يسر ، ومن أعظم صفات الدين أنه سهل لا صعوبة فيه ولا تعقيد ، والله يقول : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، وقد فهم ابن تيمية ذلك ، وفقه هذه المسالة أتم الفقه ، فكان – رحمه الله – يسيراً سهلاً في فتاويه ، وفي أحكامه الصادرة ، وفي مناقشاته ، يدرك اليسر في دلالة النصوص ، وفي مقاصد الشريعة ، فتجده إذا تكلم في أبواب المعتقد أتي بأيسر المسائل ،وبين لك أن الدين أتي لرفع الحرج ووضع الآصار والأغلال عن الأمة ، وتكلم عن مسائل العفو والتوبة والمسامحة والمغفرة والرحمة ، وإذا تكلم في الفروع أتى بالرأي الأيسر الذي يسعفه الدليل ، فكم من مسألة شاقة إنما جاءت مشقتها من أهل الفقه كالمسح على الخفين مثلاً ، أو القصر في السفر والفطر فيه ، أو غير ذلك من مسائل الطهارة ، أو الصوم، أو الصلاة أو الزكاة أو الحج أو غيرها من المعاملات، فيأتي هذا الإمام فبين أن هذه المشقة ليست في كلام الله عز وجل ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن الصحيح في هذه المسالة كذا وكذا ، فيكون قولة هو أسهل الأقوال في الباب ، مع العلم أنه لم يخرج عن الدليل وإنما كان الدليل معه – رحمه الله – فلابد أن تكتشف هذا الأمر في بحوث ابن تيمية ، وفي كتبه ، وأن تعلم أنك إذا قارنت كلامه بلام غيره من  الفقهاء والأئمة والعلماء ظهر لك أن قوله – في الجملة – أيسر الأقوال وأسهلها والينهاا وأحسنها وأقربها للدليل .
 
نقصه بالدليل لكثير من المسائل المقررة
كم من مسألة قررت في كتب الفقه وبخاصة كتب المذاهب ، وجاء هذا الإمام وبين أن الحق في خلافها ؛ خذ مثلا المذهب الحنبلي الذي نشأ عليه ابن تيمية وأهل بيته ،كم من مسالة قررت درسها الناس ونشأ عليها طلبة العلم ،  فلما جاء هذا الإمام بين أن الحق خلافها ، فالحنابلة – مثلاً – يبدؤون كتب الفقه بقولهم ك المياه ثلاثة أقسام ، فيخطئم ويقول المياه قسمان فقط : طاهر ونجس ، ويقولون – مثلاً – إذا اشتبهت ثبات طاهرة بنجسه صلى بعددها وزاد صلاة ، فيبين أن هذا خطأ ، بل عل المصلى أن يتحرى ولا يلزمه أن يصلي بعددها والمسح على الخفين اشترطوا فيه شروطا ليست في الكتاب ولافي السنة فيبين أن هذا من الآصار والأغلال ، واشترطوا مسافة محددة بالأميال بالسفر  فيبين أن هذا ليس موجوداً في الكتاب ولا في السنة ، بل لا يسمى سفراً أيضاً ،وفي مسائل الحيض أتوا بمسائل شاقة على المرأة بين  أن السنة خلاف ذلك بالدليل والبرهان ، وفي مسائل المعاملات والبيع والشراء والصرف والإجارة وغيرها ن=من الأواب بين ونقص كثيراً من المسائل بالدليل البرهان ، ولم يأته بقول أحد إلا بقول الله عز وجل وقول رسول صلى الله عليه وسلم ، فكان يعظم هذا النص ويحترمه ويوقره ويعمل بمقتضاه
 

 
معرفته لأسرار السيرة
 
هذا الإمام ملم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه ، عارف بدقائقها ، مطلع على تفاصيلها ، قضية ، ومسالة مسالة ، والعجيب أنه إذا تكلم في الخلافة والملك وقضايا الصحابة والمغازي والسير والملاحم لا يوردها  إيراداً فحسب ، بببل يقف وقفة مستبصرة متفقة عالم ويخرح لك كنوزاً وهو بكتب في هذه القضايا ،دون أن يسبق إلى هذه الكنوز التي يستخرجها ؛ أذكر على سبيل المثال انه ذكر حديثين عن الرسول    r
الحديث الأول : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين .." الحديث
والحديث الثاني : " اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر ، وكلا الحديثين في السنن ، قال أما الأول فإنه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؛ لأنهم على هداية في الجملة ؛  ولأنهم من أفضل الصحابة رضوان الله عليهم أو كما قال ، ثم خصص صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر في الحديث الثاني ؛ لأنه كمل زهد أبي بكر وعمر في الرئاسة والمال ، وأما عثمان فتأول في المال ، وأما علي فتأول في الدماء ، فخصص صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر بتمام اتباعهما وكمال رشدهما رضي الله عن الجميع .
وفي مسألة أخرى لما ولى أبو بكر خالد بن الوليد ، ثم لما تولى عمر الخلافة نزعة وعزله وولى أبا عبيده ، قال ابن تيمية في ذلك : إن أبا بكر رجل لبن رقيق يصلح له رجل قوي شديد وهو خالد بن الوليد ، وإن عمر قوي شديد يصلح له رجل لين رقيق وهو ابوعبيدة ، فبين أن من السياسة الشرعية أن يكون الخليفة والقائد على خلاف في بعض الصفات ، ليكمل أمر الأمة في اللين والقوة والشدة ، إلى غير ذلك من الأسرار التي ذكرها في كتبه – رحمه الله –

 
لماذا لم يفسر القرآن كاملاً ؟
 
طلب من ابن تيمية أن يفسر القرآن ، فرد بأن غالب القرآن واضح معلوم للقارئ ، وإنما هناك آيات تحتاج إلى شيء من البيان والتفسير ، وهذا الذي قاله صحيح ، مع العلم أنه ينسب إليه أن له تفسيراً كاملاً فالله أعلم بذلك ، لكن في الجملة لم ار له إلا تفسير بعض الآيات في القرآن، واشتغل – رحمه الله – بالتأليف والفتيا وتأصيل المعتقد والذب عن السنة والرد على الطوائف ، ولكن العجيب أنه إذا أتى إلى آية وأراد شرحها جاء بشيء لا يوجد – غالباً – في كتب التفسير ؛ من براعة الاستنباط وحسن الاستدلال وعميق الفهم ورسوخ الفقه ، وربما سأل قلمه فأكثر في الآية وأورد إيرادات واستشكل إشكالات وحلها وبين الصواب في ذلك ، وربما رد على كبار المفسرين وناقشهم من حيث الدلالة واللغة ، ومن حيث المقاصد الشرعية ، ومن أراد أن ينظر في ذلك فلينظر إلى الأجزاء التي جمعت له في باب التفسير ، مع العلم أنه نسب إليه أنه فسر ( إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ) على المنبر في الأسبوع مرة واحدة يوم الجمعة فيما يقارب ثلاثين سنة ، فدخل في الرسالة والرسل ، وأتى بكلام عجاب ، كتب بعضه وبعضه لم يكتب .
 
لماذا لم يؤلف ابن تيمية
كتاباً جامعاً في الفقه ؟
لم يعلم عن ابن تيمية أنه ألف كتاباً جامعاً في الفقه من أول أبوابه إلى آخره ؛ لأنه كان مشغولاً بقضايا أهم ؛ فهو يرى أن كنت الفقه موجودة على المذهب ، وأنها مبسوطة ومختصرة ومتوفرة ، لكن الأهم من ذلك – كما يبين هو – مسائل الأصول في المعتقد ، ونصره السنة ، والرد على المخالفين من الكفرة والمبتدعة الضلال ، وكان هذا شغله الشاغل ، فلم يكرر نفسه أو يكرر المكتبة الإسلامية ، بل جاء بالجديد المؤصل النافع المفيد ، وأتى بشيء لم يكن موجوداً من قبله ، وسد على الأمة فراغاً كبيراً ، وبنى لها صرحاً من التأصيل العلمي والتأليف النافع المفيد . ولم يشرح ابن تيمية كتاباً – فيما أعلم – إلا ( العدة ) ، شرح منه جزءاً ، ولكنه لم يشرح كتاباً فقهياً كاملاً من أوله إلى آخره على حد علمي ؛ لأنه اشتغل بما هو أهم وأعظم كالدعوة ونشر العلم والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
 
التفاؤل والرجاء عند ابن تيمية
صدر ابن تيمية منشرح ، ونفسه قوية واثقة بربها سبحانه وتعالى ، وهو صاحب ثقة فيما عند الله عز وجل ، ومتفائل بالنصر دائماً والعاقبة الحسنة لأولياء الله ، وهو حسن الظن بربه ، وينظر بنظرة متفائلة للأمور ، وهو صاحب رجاء ؛ فإذا تكلم فيما أعد الله لأوليائه أسهب وأظنب ، وإذا تكلم عن أهل التوحيد بين ما لهم عند الله عز وجل من مصير مبارك ، وأذا تكلم عن التوبة رغبك في رحمة الله عز وجل ، وحبب إليك الإنابة ، وقربك من المغفرة ، وذلك على طريق العودة إلى الله عز وجل ، لا تقرأ في كلامه اليأس ، ولا تفهم منه القنوط ، ولا تجد فيه إحباطاً ، كما يفعل بعض غلاة الصوفية الذين يقتلون النفس بكثرة التأنيب وسياط التأديب ، ويكثرون من النقول في مسألة الخوف حتى يصاب الإنسان بالإحباط والقنوط واليأس من روح الله ، فيترك العمل ، لكنك كما قرأت لابن تيمية وجدت نشاطاً وانبساطاً وراحة وقوة على العبادة وعلى الذكر ، وزال عنك الهم والغم والحزن، وهذا أمر مجرب شهد به أصحابه وطلابه ، ومن شك في ذلك فليأخذ فترة من فترات الزمن ويبقى على اتصال بكتب هذا الإمام ، ثم لياخذ فترة أخرى ويقرأ لغيره ، ليجد البون الشاسع في هذه المسألة الكبرى .
 
 

 
ابن تيمية والشعر
 
الأدب – في العموم – قالب جميل وحسن يقدم فيه العالم علمه ، وابن تيمية صاحب عبارة أخاذة آسرة ساحرة في الجملة ، ولكنه لم يكن شاعراً بالمعنى الحقيقي ، ربما نظم القصائد والأبيات واستشهد لكبار الشعراء كالمتنبي وغيره ، ولكن بحد وباقتصاد ، وربما شرح البيت الذي يورده ، فيأتي بشاهد على كلمة في اللغة ، أو بدليل لرايه ، أو ينقل لكلام غيره من النظم ، إذا أراد ؛ فقد كتب قصيدة رد فيها على يهودي في أكثر من مائتي بيت في جلسة واحدة ، وكان يكتب المقطوعات التي فيها الدعوة إلى الله عز وجل ، وبيان مذهب الحق ، وربما استشهد بالبيت بالعيد في مسألة المحبة والخوف والرجاء ، وهذا من الاستشهاد الإشاري .
 
ابن تيمية والأمثال
 
إذا أسهب ابن تيمية في الحديث أورد بعض الأمثال التي سارت في الناس ، أو أنشأها من نفسه هو ؛ مثلاً تحدث عن ( البطائحية ) في وجود أصحابه وطلابه – والبطائحية فرقة صوفية ضالة ، كان عندهم شيء من الإسلام ، فكانوا إذا ذهبوا إلى الكفار مت التتار ظهرت بعض الكرامات لهم ، فإذا ، فإذا جاؤوا إلى أهل السنة بطلت كراماتهم ! فقال شيخهم له : ما لنا إذا ذهبنا إلى الكفرة التتار ظهرت كراماتنا وإذا أتينا إليكم بطلت ؟ قال : مثلكم ومثلنا ومثل التتار كخيل دهم – يعني فيها شيء من البياض – إذا دخلت بين خيل سود ظهرت بيضاء ، و، إذا دخلت في خيل بيضاء ظهرت سوداً ، فأنتم دهم ؛ لأن عندكم شيئاً من الإسلام ، والتتار سود لما عندهم من الكفر ، ونحن بيض لما عندنا من نور السنة ، فإذا ذهبتم إلى التتار ظهر بياضكم الباقي عندكم فصرتم بيضاء ، وإذا أتيتم إلينا ظهر سوادكم لظهور السنة ووضوح الحق لدينا ، قال : فتعجب الأصحاب من مثلي ! وسمع صوفياً يقرأ ( فخر عليهم السقف من تحتهم ) ! فضربه وقال : لا عقل ولا قرن ! لأن العقل يدل عل أن السقف من فوق ، والقرآن فيه( فخر عليهم السقف من فوقهم) . وله أمثال في ذلك لا يتسع المقام لذكرها، مما يدلك على سعة دائرة الرجل ، وعلى فهمه وبراءته وذكائه ، واستخدام كافه الثقافات في تقوية ما يدعو إليه وما ينشره في الناس من علم .
 
كتب ابن تيمية بين العامة والخاصة
لابن تيمية كتب لا يفهمها إلا الجهابذة العباقرة كـ ( درء تعارض العقل والنقل ) ؛ فإن فيه من المسائل الشائكة ، وقوة الاستدلال ، وصعوبة العبارة ، ما يرد بها عل أهل الفلسفة وعلماء المنطق ، ونجده – وهو يرد على هؤلاء – يوغل ويسهب ويتعمق في مسائل لا يدركها العلماء العاديون أو صغار طلبة العلم، فضلاً عن العامة ، فهذه ميزة ابن تيمية ؛ يوجه الخطاب للناس على كافة المستويات ، فله كتب يخاطب بها خواص الناس ،وله كتب ميسرة سهلة ككتاب ( الواسطية ) أو منهاج السنة أو ( اقتصاد الصراط المستقيم ) أو ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) صلى الله عليه وسلم ،وغير ذلك ، فميزته أنه لكل الطوائف ؛ فمن أراد الإيغال والعمق والدقة فله كتب ، ومن أراد السهولة والشرح والبسط فله كتب ، وغالب رسائله وفتا ويه في ( الفتاوى ) تفهم من العامة إذا قرئت عليهم من أول وهلة ؛ لأنه يوضحها ويسهلها ويجلبها ويقربها ، بخلاف غيره من العلماء ، فإن بعضهم إذا ذهب وراء التخصص الدقيق كعلم المنطق أو الفلسفة أو أصول الفقه أغلق العبارة ، وتكلم إلى طائفة خاصة ، ثم لا يستطيع أن يخاطب العامة ، وبعضهم إذا تكلم للعامة بسط العبارة وشرحها ، ولكنه لايرتقي أسلوبه ليخاطب به خاصة أهل العلم والندرة الذكية منهم .
 

 
ابن تيمية ومسألة التكفير
ابن تيمية معتصم – كما قلت – بالدليل ، عامل بالبرهان كتاباً وسنة ، مطلع على أسرار الشريعة ، عارف بمقاصدها ؛ ولذلك كان كلامه في التفكير من أحسن الكلام ، حتى إن له من الجدة في الحديث في هذا الباب ، والبراعة في التأصيل ، ما لا تجده عند غيره ، فقد نظر لهذه المسألة ، وأورد عليها أمثلة ، وطرحها بشتى الطروح ، وعدد الأساليب في ذكرها ، فاشترط وجود الأسباب في التكفير ، وانتقاء الموانع ، وجاء بمسألة الخطأ ومسألة العذر ، ومسألة التأويل ، ومتى يكون التكفير ، وتكفير المعين ، وماذا يمنع التكفير ، والقول المكفر ، والفعل المكفر ، وغير ذلك ، حتى صار كلامه مرجعاً في الباب ، ورأيت من ألف في مسائل التكفير أو ذكرها من الأئمة المعاصرين أو المتقدمين من بعد ابن تيمية ، فإذا هو يعود إلى هذا الإمام ويستشهد بكلامه ، ويقبل قوله ، ويحتج برأيه في هذه المسالة العويصة .
 
التسلسل الفكري عند ابن تيمية
ابن تيمية لا يخلط الأوراق ، ولا يورد الكلام على عواهنه ، بل يبدأ المسألة متدرجاً فيها من أولها إلى آخرها ، كالباني الذي يبنى لبنة لبنة ، وكالذي يصعد السلم درجة درجة ؛ فهو يبدأ بكمن أول المسألة مؤصلاً لك ، ثم يأخذ بيدك نقطة نقطة ، وفصلاً فصلاً ، وباباً باباً ، حتى ينتهي بك ، فلا يدخل الكلام بعضه في بعض ، ولا يعاضل في الحديث ، ولا يكون في كلامه ارتجاج ، بل تجده – مثلاً – إذا تكلم في مسألة الإيمان، أو مسالة الكفر ، أو البدعة ، أو الفسق ، أو غيرها من المسائل ، وبنى كلامه بعضه على بعض ، حتى يظهره لك فكرياً اثريا يمكن أن تجعله بحثاً مستقلاً . وقد رأيت له بحوثاً في ( الفتاوى ) عن سجود السهو والنوافل والأذكار والصدقة وغيرها ، فوجدت أنها بحوث متكاملة ، ربما لو انفصلت في رسالة ( ماجستير ) ، أو ( بحث جامعي ) لكفت وشفت ،ولما وجدت معترضاً .
 
 
ابن تيمية المجتهد المطلق
 
بقول بعض الفضلاء: إذا لم يكن ابن تيمية مجتهداً مطلقاً فلا ندرى من هو المجتهد المطلق ؟ ، فكل ما ذكره أهل المذاهب والعلماء في شروط المجتهد توفرت في ابن تيمية مجتمعة ، وزاد عليها في شروطه ؛ فإن ذكروا الحفظ فهو آية في الحفظ ، وإن ذكروا الفهم فهو مضرب المثل في الفهم ، وإن ذكروا معرفته بالمقاصد فهو إمام يرجع إليه في ذلك ، وإن ذكروا علمه باللغة فحسبك به ، وإن ذكروا قدرته على الاستنباط ، ومثله يكون مرجعاً في المسألة الاجتهاد ،وقد تلكم فيها هو وأوعب الحديث فيها أيعاب ، وأملى فيها فصولاً ،وتكلم بإطناب عن الاجتهاد والتقليد ، ومن يتتبع فتاويه ورسائله  يجد أنه بلغ الغاية في الاجتهاد ، حتى إنه لحظ على بعض الأئمة الكبار الخطأ في كثير من المسائل وفي الاستدلال ؛ وبين سبب خطئهم فيها ، وغلظهم في بعض القضايا ، وبين غلظهم بالدليل والبرهان والحجة الدامغة التي لا تقبل الرد ، وقد أثنى عليه كثير من الأئمة ممن ترجموا له كالذهبي ، وكالشوكاني في  ( البدر الطالع ) ، وذكروا أنه الغاية في هذا الباب – رحمه الله –
 
ثناء الأصدقاء والأعداء عليه
لا يجتمع الناس في الثناء على رجل إلا وقد فاق الأقران ، وابن تيمية من أكثر العلماء الذين حصل لهم حظوة ، ووجدوا محبة وقبولاً من الناس ، فأما أصدقاؤه وأحبابه وطلابه فحدث ولا حرج ، فمنهم من قال العبارات التي صارت كالأمثال ؛ كقول بعضهم فيه : لو حلفت بين الركن والمقام أتي ما رأيت مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه لصدقت وما حنثت ، كقول ابن حيان المفسر الأندلسي : أنه لم ير مثل ابن تيمية في الناس ابدأ ، وقول ينسب لبعض العلماء أنه لما رأى ابن تيمية لمبالغته في الكلام ، وقول ينسب للمزي أنه قال : لم يأت مثل ابن تيمية من خمسمائة سنة ، وكلام لو ذهبنا نجمه لخرج لنا مجلد كبير من الثناء الحسن على إمامته ، وزهده ، وصدقه ، وتواضعه ، وبراعته في التأليف وفي الفتيا ، وجهاده ، ودعوته ، وإصلاحه ، وأمره بالمعروف ونهية عن المنكر ،وشجاعته ، وكرمه ، وتقشفه ، وغير ذلك من أخلاقه التي ألفت فيها الكتب ؛ فقد ألف البر زار وابن عبد الهادي وأناس من المعاصرين بحوثاً ورسائل وكتباً فيه ، والعجيب أن الأعداء اثنوا عليه وببعض الجوانب ؛ لأنه أصبح كالشمس كما يقول المتنبي :
وكيف يصح في الأذهان شيء ***  إذا احتاج النهار إلى دليل ؟ !
فحتي أعداؤه من أقرانه وصفوه بالحفظ ، ومنهم من وصفه بالزهد ، ومنهم من وصفه بالتمكن ، بل العجيب إني سمعت علاماً من علماء السنة لقي عالماً شيعياً وتباحثاً في كتاب ابن تيمية (منهاج السنة ) الذي رد فيه على الرافضة ، فوجد الشيعي منزعجاً من هذا الكتاب ، ولكنه كان يقول للسني : لو أن عند كل طائفة رجلاً مثل ابن تيمية لوجب على هذه الطائفة أن تفتخر بهذا الرجل وتتشرف ، وحق لكم أنتم يا أهل السنة أن تفتخروا بهذا الإمام وتتشرفوا به ، وكثير من الطوائف – حتى من المخالفين – تعجب من ذكائه ونبوغه ، وذهل من عبقريته ؛ لأن المسألة أصبحت قضية ظاهرة ما تقبل اللبس ولا يختلف فيها اثنان ، ولا يستطيع أحد أن ينكر الشمس إذا طلعت على الناس ، أو يشكك في ضوئها ، أو يشكك في نورها  هذا لا يكون ، ولذلك كان ابن تيمية فارضاً احترامه على الصديق والعدو، مثبتاً بجدارة أنه إمام يستحق الاهتمام والاعتبار والإنصات والإعجاب ، وكان مقصده – رحمه الله – ما عند الله عز وجل ، فحصل – إن شاء الله – ثواب الآخرة ، والثناء المستمر في الدنيا ، وهذا لسان الصدق في الآخرين .
 
ابن تيمية رجل المرحلة
لاشك أن الله سبحانه وتعالى هيأ الظروف والأحوال لخروج مثل هذا الرجل الإمام المجدد ، إذ كانت الحياة السائدة في عهده حياة تدعو إلى الرثاء ، وتستجدى بزوغ نجم مجدد مصلح كبير ، يكون في مثل عقل ابن تيمية ،وعلمه ، وخشيته ، وشجاعته ، لقد كانت الحالة العقدية بها غبش في التصور ، فظهر الشرك عند القبوريين الذين يطوفون متبركين بالقبور ؛ فظهر كثير من المهنة والمشعوذين والسحرة والدجالين والأفاكين ، ووجد كثير من المبتدعة بشتى مشاربهم ونحلهم ومذاهبهم الخاوية المنحرفة ، واستشرى فساد سياسي يتمثل في الظلم من الحاكم ، والجهل بالشريعة ، كما ظهر الفساد في القضاء من انتشار للرشوة ،وجهل بالشريعة ، وحيف وجور وظلم ، مقيت ، وجهل بالنص ، وبعد عن الدليل ، وبرز الفساد في مسالة الأدب ، حيث تراكم نتاج شعراء أفسدوا في المسيرة الأدبية ، وانحرفوا عن الجادة ؛ لما تركوا من لغو آثم وتركه فاسدة منحرفة عن الصراط المستقيم ، من الفجور والإلحاد.والفسق والعصيان ، كما وجد من يصد عن منهج الله عز وجل في المجتمع ممن يدعو إلى انغماسه في الدنيا بحالة ومقاله ، من فوائد هذه الآية الكريمة يدعو إلى ترك السنة ، من فوائد هذه الآية الكريمة ينصب نفسه للناس إماما وهو ضال مضل ، من فوائد هذه الآية الكريمة يعطل الشرائع ؛ كفرقة البطائحية ، وكالنصيرية الضالة المنحرفة ، وكأتباع غلاة المتصوفة ، وأتباع ابن عربي الحلولي الاتحادي ، وغير ذلك من أرباب المسالك الجائزة فيهأ الله خروج هذا الإمام الذي أتى فملأ الزمان والمكان بالحق المورث عن ولد عدنا صلى الله عليه وسلم ، والملهم من الرحمن ، فأتى مصلحاً مجدداً .
فبدأ بالعقائد فأوضح الحق في هذه المسالة ، ودعا دعوة تامة عامة كاملة للعودة إلى التوحيد الصحيح ، وأنه أصل الأصول ، فبين ووضح وشرح ورد كل شبهة ترد على هذا الأصل العظيم .
ثم أتي إلى الفقه فدعا الناس إلى الاعتصام بالدليل ، مع توفير الأئمة ، وبين في أول كتاب ( الاستقامة ) أن الناس في هذه المسألة طرفان ووسط : فطرف جمد على الظاهر ولم يحترم الأئمة ولم يشتغل بالاستنباط والفقه ، وقابله طرف آخر عظم أقوال الأئمة واصلى الله عليه وسلمأرباب المذاهب على حساب الدليل والنص ، فغلا في التعصب وإفراط في التقليد ، والصحيح الوسط وهو الاعتصام بالدليل من الكتاب والسنة وتقديم قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم عل قول الرجال ، كائناً من كل صاحب هذا القول ، مع احترام الأئمة وعدم المساس بهم رضوان الله عليهم ، وأتى إلى مسالة السنة فأوضحها للناس وبينها ودعا إليها بأقواله وأعماله وأحواله ، ورد على كل من خالفها ، أتم كل بحسبه ، وفت باب خصومات مع أعداء السنة ، فجابههم أتم المجابهة لما تقتضيه حكمته وبصيرته ، وأوذي في كل الأذى وهو صابر محتسب متلذذ بما يصيبه في ذات الله ، ومستعذب العذاب في سبيله ، فكانت العافية له ، وهي سنة الله –عز وجل – في رسله عليهم الصلاة السلام ، واتباع رسله إلى يوم القيامة .
ثم أتى إلى الفساد السياسي فدعا الحاكم إلى العمل شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وشافه الحكام بهذه الدعوة وراسلهم وكاتبهم ، ووجد من بعضهم الأذى ، وحبس في ذلك وأظهر دعوته ، وكتب في ذلك ( السياسة الشرعية ) ، ونهى عن الظلم ، ودعا إلى تقديم الملة على الأحكام الوضعية القانونية الأرضية ، وأخبر بأنه لا يسع أحداً من الناس – سواء الملوك أو العامة – الخروج عن شيء من شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقام في ذلك المقامات التي شهد بها القريب والبعيد وزار السلاطين في بلاطهم ، ودخل دواونيهم ، وخطب بين أيديهم ، وكاتبهم وراسلهم ،وقام المقامات المشهودة عند العامة ، في مجامع الناس ، ونازل أعداء الشريعة وبارزهم في الميادين العامة ، وفي المجالس الخاصة ،وفي أماكن النظر ،وفي محلات التدريس ، فكان بحق شاغل تلك الفترة بالحديث والأخبار والأخذ والعطاء .
 
ابن تيمية وعلاقته بالدولة في عهده
لا شك أن ابن تيمية صحب في تلك الفترة السلاطين من المماليك ومن الأمراء الذين يتبعون للدولة العباسية في أواخر عهدها الانحطاط والضعف ، وهؤلاء السلاطين نافذون في مصر والشام ، وكان عندهم جور وظلم ، وهم في الجملة مسلمون ، فعاملهم بما يقتضي الحال من النصيحة والإرشاد والتوجيه ،ولم يوافقهم على باطلهم ، ولم يأخذ أعطيا تهم ، ولم يدخل في شيء من وظائفهم ،ولم يتقلد لهم مناصب ،ولم يتول لهم زلالية ، وإنما كان همه إصلاحهم وإعادتهم إلى منهج الله عز وجل وإلى شريعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولنه في المقابل لم يخرج عليهم ، ولم يدع إلى السيف والمبارزة ومقاتلتهم ؛ لأمور منها :أنه يحتكم إلى الشرع الذي يدعو صاحبه صلى الله عليه وسلم إلى عدم الخروج على الإمام والراعي المسلم ما لم نر كفراً بواحاً عندما فه من الله برهان ، فالمعاصي والجور والظلم لا تقتضي الخروج على الحاكم مهما كانت ؛ لأن الخروج أعظم مفسدة من البقاء تحت ولايته ، لما ينتج من ذلك من افتراق الكلمة ، وسفك الدماء ، وذهاب الأموال ، وانتهاك الأعراض ، والفساد في الأرض بكل أنواع الفساد ، فكان ذلك منهج ابن تيمية ومنهج أئمة الإسلام وعلماء الملة على طول التاريخ تعاملهم مع الحكام الظلمة ، وهذا هو المنهج الصحيح الذي أثبت صلاحه ونجاحه على مر الدهور والأعوام ،وهو الموافق لشرع الله عز وجل .
 
لماذا لم يكون ابن تيمية جماعة
لم يعرف عن ابن تيمية –رحمه الله – أنه كون جماعة أو نظم فرقة معه ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، صحيح أن له طلاباً وأصحاباً ، لكن لم يكن بينهم تنسيق وتنظيم حتى يصحبوا جماعة تعرف بين الناس ، لها خطتها ولها برنامجاً ، ابدأ لم يحصل هذا ، ومن قال ذلك فعليه الدليل ، والمؤكد أن ابن تيمية لم يفعل ذلك؛ لأنه فعل فعل علماء الإسلام وأئمة الدين ممن سبقه من أهل السنة ، ولو أنه كون جماعة لا اقتضى الحال أموراً .
فإما أن تنظيم هذه الجماعة في طاعة الدولة المعاصرة له وتنقد أوامر السلطان في عهده فيكون هذا تحصيل حاصل ؛ لأنها لن تأمر بالمعروف ولن تنهى عن المنكر إلا بإذن من السلطان ، ولن تقوم بعمل رعي عام الإ بسماح منه ، فكأنها لم تفعل شيئاً ، فالناس في عهده في الجملة لا يعلون إلا بإذن السلطان سواء من العلماء أو القضاء أو المحسنين أو الدعاة فما فائدة تكوين جماعة نأتمر بأمر السلطان ؟ والناس كلهم أصلاً مؤتمرون بأمر السلطان فلم يكن هناك شيء جديد إذا وأما أن تقوم هذه الجماعة بأمرها ولا تراجع سلطاناً ولا دولة، فتأمر بالمعروف متى شاءت ، وتنهى عن المنكر متى شاءت ،وتكون لها منهجا صالحاً سنياً على نظرها دون أن تعود إلى سلطان أو دولة ، وحينئذ لن ترضى الدولة المعاصرة ،ولن يرضى السلطان ،وسيقع التصادم ، ثم يستمر الحال ، فإما أن تمضي الدولة كلمتها ،وتمضي أمرها أو تأتي هذه الجماعة فتتفذ أمرها وكلمتها وتمضي أمرها ،  وحينئذ يقع التصادم والاختلاف ، وتقع الفرقة ، وينتهي الحال إلى أراقه الدم ،وهو ما حصل في بعض العهود من قيام جماعات قصدها نصره الدين ، ولكنها واجهت دولاً ، فسكفت الدماء ، وفتحت المعتقلات ، ونهيت الأموال ، وانتهكت الأعراض ، ووقع فساد عظيم واختلاف وشر في الأمة ،وهذا الذي منع ابن تيمية من تكوين جماعة أو فرقة ،وكان الذي فعله عين الصواب ، وهو الذي اثبت لابن تيمية قوته وجدارته ،  وترك له أثرا علميا ودعوياً وإصلاحياً وتجديدنا مباركاً ، وتركه طيبة من العلم النافع ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهذا المطلوب ؛ فإن إقامة دولة مسلمة هو أمر مطلوب عل العام والخاص ،ولكن إذا لم يستطيع الإنسان إلا أن يكون في ظل دولة مسلمة ،وعندها قصور وجور وظلم وأخطاء ، فإن عليه أن يبقى الله عز وجل ، وأن يعمل بالشرع في لك ، وأن يدعو ويصبر ،وأن يطيع في طاعة الله عز وجل ولا يوافق في المعاصي ، لكنه لا يخرج عليهم ولا ينابذهم السيف ،ولا يدعو غل الفرقة ؛ لأن الشر في ذلك عظيم والفساد كبير .
 
أثر ابن تيمية في أصحابه وطلابه
من آثار العلم المبارك في حياة العالم أن يكون له اثر طيب على أقرانه وزملائه وأتباعه وأصحابه وطلابه ، وهذا ما حصل مع ابن تيمية ؛ فلا يعلم في العلماء المتأخرين ممن أثر في أصحابه وطلابه من بعده من القرون كابن تيمية ، فكان ينفع الله بمجالسه وبدروسه ، وباللقاء به ، وبمعايشته والسفر معه ، ما شهد به أصحابه وما رايتا أثر ذلك في طلابه ، حتى إن الواحد منهم كان في جهل وفي انحراف ، حتى صحب هذا الإمام وغيره ، فوجد من النفع العظيم ، واستقامة الحال ، وانشراح الصدر ، وصلاح العمل ، وسداد القول ، والبركة في الوقت ، ما صار تاريخاً يكتب ، وما ذلك إلا لبركة هذا الإمام الأستاذ المعلم – رحمه الله - ؛ فكان مبارك الأنفاس ، تعود بركته على أصحابه ، وهذا دليل على صدقة وإخلاصه ،وأعمار أوقاته بالطاعة والنوافل والعبادات والأوراد بأنواعها ، فصار قدوة في جهاده وصبره وصدقه وعلمه وحاله وزهده وتقشفه وجرأته وثباته وثقته وبربه ، وغلى غير ذلك من الخصال الحميدة والأفعال المجيدة ، التي سطرها هذا الإمام وصارت تاريخاً يتلى بعده إلى آخر الدهر ؛ فقد رأينا ممن عاصره من العلماء من كان له طلاب ومؤلفات ، ثم ذهب فكأن مؤلفاته أدرجت في أكفانه ،وكان طلابه ماتوا معه ؛ لأمر علمه سبحانه وتعالى ، لأنه أعلم بالسر وأخفى ؛ وربما لأن هؤلاء العلماء تصدروا للدنيا وهو ما حصل بالفعل ؛ فإن أحدهم كان يغضب للمنصب ويوصى السلطان أن يولي ابنه بعده ، وكما يقول أحد المعاصرين : إن ابن تيمية ترك الدنيا وما فيها لأهلها وطلب الآخرة ممن يملكها سبحانه ، أما المعاصرون له في الغالب فإن لهم عمائم الأبراج ،وأكمام كالإخراج ، همهم الولاية والأوقاف ، وجمع أموال اليتامى ، والتصدر في المجالس ، وحضور مواكب السلطان والفرح بالأعطيات ، وجمع الأموال ، وتكديس الخزائن ، والشهرة في العامة ، وطلب التبرك ممنهم ، والانصياع لأوامرهم ، وتنفيذ مراسيهم ، فذهبوا وانقرضوا وانتهوا وماتوا بآثارهم ، وبقى هذا الإمام الذي عاش فقيراً ، معدماً ولم يتول آية ولاية صغيرة أو كبيرة ، حتى إمامة المجد أو الآذان فبقى في القلوب محفوراً اسمه ، منقوشة حروف علمه في الأذهان الضمائر ،وصار آية للسائلين ،وقصة من قصص العبقرية ، وأحدوثة من أحاديث التجديد واللموع .
 
من هم خصوم ابن تيمية ؟
 
لابد لهذا الإمام –كما اسلفنا – من معارضين ومناوئين عل كافة المستويات ،والعجيب أن خصومه من العامة والخاصة ، ومن المسلمين ومن غيرهم ، فأعظم خصومه هم أعداء الملة الفرة من الملاحدة واليهود والنصارى والصبابئة والدهريين ، وإلى غير ذلك من أعداء الإسلام ، واعطى كلما يستحقه من الرد  والمقامة ولمجابهة ، ومن المواجهة بالرسائل بالنقض ، وكشف مستورهم الخبيث بالتشهير بهم وبزلزلة مناهجهم الضالة وبسحق سبههم ، ودحض دجلهم بالوقوف في وجوهم بكل أنواع الوقوف ، وأوذي ف ذلك كل الأذي – رحمه إلله وكان له أعداء مت الجهلة العامة ، الذين لا يعلمون المتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ، اتباع كل ناعق ، الدهماء الغوغاء ، فعادوه ونالوا منه ، وهو يصبر على أذاهم ،ويوضحهم السنة ، ويدعوهم إل الحجة ويبين لهم المحجة ، صابراً محتسباً ، حليناً صفوحاً مسمحاً ، حتى جذب الثير منهم وردهم غل الجادة ،وبين لهم الطريق المستقيم فكان ينزل ونبه المطففين في المكاييل والموازين والمرتشين والمرابين والغشاشين ، كل ذلك بأتم البيان تويجا وإرشاد ودلالة إلى منهج الله عز وجل ونشأ له أعداء من العلماء المعاصرين ؛ حملهم على ذلك البغي والحسد ، لما آتاه الله من علم ومكانه وقبول وصدارة إيمانية ، ومواقف شريفة ،ومقامات جليلة في نصر الملة فقاموا عليه حسداً من عند أنفسهم ؛ لأن الله ميزه عليهم ، فنقموا عليه هذه المحلة ، ووشوا به عند السلطان ، وأفلحوا في سبحه وإلحاق الأذى به ، لن أجره عند الله عز وجل ، ومكانته في القلوب .
وكتبوا ضده رسائل ،واجتمعوا وأفتوا بسفك دمه ، وسطروا رسائل تقول بضلاله ،وقد كذبوا وافتروا وعقدوا له مجلس المناظرة ، وأوغرا صدر السلطان عليه ، وأوهموا العامة أنه مخالف لما كان عليه السلف ، وجمعوا له كلاماً ، وبتروا حديثة ، وقطعوا كثيراً من كلامه عن سياقه في مؤلفاته ، فظهر عليهم بالحجة كثيراً من كلامه عن سياقه ف مؤلفاته ، فظهر عليهم بالحجة وانتصر عليهم بالدليل ، وبين أنهم مخالفون للصحيح من الأقوال ، كل ذلك وهمهم الدنيا وهمه الآخرة ، لكن كانت العاقبة – والحمد لله – لهذا الإمام . وكان له أعداء من السلاطين الظلمة ممن يتبعون الشهوات ،ويريدون أن تميل الأمة ميلاً عظيماً ، فهمهم – فقط – دنياهم ومناصبهم وظهورهم وشهرتهم وملكهم وبقاء العامة في أيديهم ،ولا يعملون إلا ما سهل عليهم من الأعمال الظاهرة من العبادة ، وقد حشوا من الكبر والرياء والعجب ،وسفكوا الدماء ، وأخذوا الأموال من غير حلها ، وظلموا وجاروا ، فقام لهم وتقعد لهم ، ونازلهم ، وخالفهم كل المخالفة في هذا ، دون أن يترك فساداً في الأمة أ شراً مستطيراً في الناس ، بل كان يدعو بالحجة وبالبينات التي أرسل الله بها رسله عليهم الصلاة والسلام وبالأحاديث الصحيحة وميراث السلف المبارك الذي كان يحمله .
ثم كان له أعداء من المبتدعة ،وكانوا عل درجات لكنه لم يترك مبتدعاً إلا أعطاه حقه ، منالرد بحكمة وبسداد ، على حسب ما تقتضية بدعة هذا المبتدع قرياً من السنة وبعداً ، فلأ شاعرة عنده رد كلام ، وللمعتزلة رد أشد وكلام أكثروللجهمية رد أكثر وكلام أوفر ، وللرافضة ايضاً د بما يناسبهم ، وللصوفية ولغلائهم عنده رد أيضا ، وللإسماعيلية الباطنية رد ساحق ما حق ، وللملاحدة والزنادقة رد قاتل مميت ،وقد بينا لحق الذي اندرس في عهدة ،والذي ذهبت معالمه ، فأحياه – رحمه الله- في دروسه ،وفي مجالسة ومناظراته ، وفي تأليفه ورسائله ، حتى صارت السنة هي الظاهرة واصحابها هم السادة وهم أهل الحق ن فأبان الله للعامة والخاصة أن هذا الرجل العظيم على نور من الله عز وجل ، وعلى هدي من رسوله صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه لما مات كانت جنازته آية للناس من كثرتها واجتماع الناس عليها وترحمهم وتأسفهم ن حتى ذكر أن بعض اليهود والنصارى خرجوا فيها، وقبل أن منهم من اسم ،وتاب كثير من العصاة وكان يوماً مشهوداً لأنه كان محقاً ، صاحب سنة ، على دليل وعلى برهان من الله عز وجل ، فرحمه الله رحمة واسعة .
 
سبحانه ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ،
والحمد لله رب العاملين .